عدن ليست ساحة للصراعات

قبل ساعة


أحمد ناصر حميدان
بقلم: أحمد ناصر حميدان
ارشيف الكاتب

في كل مرة تتجه فيها الحشود المسلحة نحو عدن، يعود القلق ليخيّم على المدينة وسكانها. ليس لأن عدن ترفض أبناء الوطن، فهي كانت ولا تزال مدينة مفتوحة للجميع، بل لأنها دفعت أثماناً باهظة نتيجة تحويلها إلى ساحة لتصفية الصراعات السياسية والعسكرية التي لا تملك قرارها.

اللهم احمِ عدن من الحشود القبلية، وأبعد عنها شرور العنف والمظاهر المسلحة. فعدن ليست ساحة لصراعات القبائل، ولا ميداناً لاستعراض القوة، وإنما مدينة قامت على قيم التعايش والعمل والرزق والمواطنة، واحتضنت على مدى تاريخها مختلف الثقافات والانتماءات، فكان تنوعها مصدر قوتها لا سبباً لصراعها.

المؤسف أن كثيراً من الأصوات التي تتغنى بعدن و اعتادت إطلاق التهديدات والشعارات عندما يتعلق الأمر بعدن، تلتزم الصمت عندما يكون المطلوب موقفاً واضحاً يرفض عسكرة المدينة أو فرض الأمر الواقع بقوة السلاح. إن الموقف الوطني الحقيقي لا يُقاس بارتفاع نبرة الخطاب، وإنما بالتمسك بمبدأ الدولة وسيادة القانون ورفض أي قوة تعمل خارج مؤسساتها.

إن الخلافات السياسية مكانها طاولة الحوار، ومؤسسات الدولة، والوسائل السلمية التي تكفلها القوانين، لا شوارع عدن وأحياؤها. فما ذنب هذه المدينة أن تتحول إلى ساحة لصراعات تُدار قراراتها في أماكن أخرى؟ وما ذنب سكانها أن يعيشوا الخوف كلما تحركت الحشود المسلحة؟

لقد فتحت عدن أبوابها للجميع منذ عقود، وقدمت نموذجًا لمدينة مدنية تتسع لكل اليمنيين، لكن ذلك لا ينبغي أن يُفسَّر على أنه قبول بتحويلها إلى معسكر مفتوح أو ميدان لتصفية الحسابات. فعدن لا تحتاج إلى مزيد من السلاح، بل إلى الأمن والاستقرار، وإلى مؤسسات دولة قادرة على حماية الجميع دون استثناء.

إن مستقبل عدن لن يُبنى بعقلية الغلبة أو النفوذ القبلي أو العسكري، وإنما ببناء دولة المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، وإبعاد المظاهر المسلحة عن المدينة، حتى تستعيد دورها الاقتصادي والثقافي والإنساني الذي عُرفت به عبر تاريخها.

إن حماية عدن مسؤولية وطنية وأخلاقية، لأن استقرارها ليس مصلحة لأبنائها وحدهم، بل مصلحة لكل من يؤمن بأن الدولة أقوى من السلاح، وأن الحوار أجدى من الصراع، وأن المدن لا تزدهر إلا في ظل الأمن وسيادة القانون.

احمد حميدان