ليس أصعب على دعاة التضليل من لحظة انكشاف الحقيقة. ففي تلك اللحظة، تنهار الروايات التي صُنعت بعناية، وتسقط الأقنعة التي أخفت وجوه المتورطين في تزوير وعي الناس، ويجد من احترفوا الاتهام أنفسهم أمام سؤال بسيط: من يعتذر لكل من شُوِّهت سمعته ظلمًا؟
على مدى سنوات، لم تتوقف ماكينة حزب الإصلاح الإعلامية عن ترويج رواية واحدة، قوامها تحميل المجلس الانتقالي الجنوبي ودولة الإمارات العربية المتحدة مسؤولية اغتيال أئمة وخطباء المساجد في عدن. لم يكن الهدف البحث عن الحقيقة، ولا إنصاف الضحايا، بل كان واضحًا أن المقصود هو شيطنة الجنوب، وضرب التحالفات التي واجهت الإرهاب، وتحويل الدماء إلى وقود لمعركة سياسية رخيصة.
واليوم، تكشف الوثائق المتداولة المرتبطة بملف تبادل الأسرى معطيات مختلفة، إذ تظهر أسماء أشخاص متهمين بتنفيذ تلك الاغتيالات ضمن قوائم مرتبطة بجماعة الحوثي. وهذه معطيات تستحق التحقيق والتدقيق، لكنها في الوقت ذاته تطرح علامات استفهام كبيرة حول الرواية التي ظل الإصلاح يرددها سنوات طويلة وكأنها حقيقة لا تقبل النقاش.
وما يزيد خطورة المشهد أن هذه المعطيات تزامنت مع الحديث عن صفقة لتبادل الأسرى، برعاية سعودية ـ حوثية، تضمنت ـ وفق ما تم تداوله ـ الإفراج عن متهمين بجرائم اغتيال وإرهاب. غير أن هذه الصفقة واجهت رفضًا قبليًا وشعبيًا واسعًا، بعدما تداعت القبائل من كل حدب وصوب معلنة رفضها القاطع لأي اتفاق يمنح القتلة فرصة للإفلات من العدالة، الأمر الذي أدى إلى إعلان تأجيلها إلى أجل غير مسمى.
غير أن هذا التأجيل لا يبدو، في نظر كثيرين، نهايةً للصفقة بقدر ما يبدو محاولة لامتصاص الغضب الشعبي وذرّ الرماد في العيون، ريثما تهدأ موجة الرفض، ثم يُعاد تمريرها في توقيت أكثر ملاءمة وبعيدًا عن الضجيج الإعلامي. فالمخاوف لا تتعلق بتأجيل التنفيذ، وإنما بإصرار الأطراف الراعية على إنفاذ الصفقة لاحقًا، بما يحول دون انكشاف كامل تفاصيل التفاهمات التي أثيرت حولها، ولا سيما ما يتصل بطبيعة التنسيق بين الرياض وجماعة الحوثي، وما قد يترتب على ذلك من الإفراج عن متهمين بارتكاب جرائم خطيرة، في مشهد يهدد العدالة ويهدر حقوق الضحايا.
إذا كانت هذه المعطيات صحيحة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: من نفذ الاغتيالات؟ فحسب، بل: من ضلل الرأي العام طوال هذه السنوات؟ ومن يتحمل المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن حملات التشويه التي استهدفت المجلس الانتقالي والإمارات دون أن يقدم للرأي العام دليلًا قاطعًا يثبت صحة اتهاماته؟
لقد أثبتت التجربة أن بعض القوى لم تكن معنية بكشف القاتل بقدر عنايتها باستثمار الجريمة. كان الضحية بالنسبة لها مجرد وسيلة، وكانت الجنازة مناسبة لإطلاق الاتهامات، وكانت المأساة فرصة لتصفية الحسابات السياسية. أما الحقيقة، فلم تكن ضمن أولوياتها، لأنها ببساطة كانت تهدد الرواية التي بنت عليها خطابها.
وما يزيد المشهد وضوحًا أن كل ملف يبدأ في الانكشاف، يسقط معه جزء جديد من منظومة التضليل التي سيطرت على الخطاب الإعلامي لسنوات. وما كان يُقدَّم للرأي العام على أنه "حقائق دامغة"، يتبين مع مرور الوقت أنه لم يكن سوى بناء هش من الاتهامات والادعاءات التي لم تصمد أمام ظهور الوقائع.
إن دماء الأئمة والخطباء ليست مادة للمزايدة، ولا ينبغي أن تبقى رهينة لأجندات حزبية. ومن أخطر الجرائم أن يُقتل الإنسان مرة برصاص المجرم، ثم يُقتل مرة أخرى باستغلال دمه لتصفية الحسابات السياسية.
لقد آن الأوان لأن يتحمل كل من ساهم في تضليل الناس مسؤوليته الأخلاقية. فالتشهير ليس عملًا صحفيًا، والكذب ليس رأيًا سياسيًا، وتلفيق الاتهامات لا يصنع نصرًا، بل يؤجل لحظة السقوط.
قد يتأخر انكشاف الحقيقة، لكنه حين يأتي لا يترك للكذب سوى الخزي، ولا للمضللين سوى إرث ثقيل من الأكاذيب التي ارتدت عليهم، بعدما حاولوا أن يجعلوا منها تاريخًا يكتبه المنتصرون، فإذا بها تتحول إلى وثيقة إدانة بحق من صنعها وروّج لها.
الجمعة الموافق 10 يوليو 2026