المحسوبية تقتل الدولة ... حين يتحول المنصب إلى أداة لإقصاء الكفاءات وتدمير مؤسسات الدولة

قبل ساعة


غالب منصور
بقلم: غالب منصور
ارشيف الكاتب

لا يمكن لأي دولة أن تبني مؤسسات قوية أو تحقق إصلاحا حقيقيا ما دامت ثقافة المحسوبية والوساطة والولاءات الشخصية هي الطريق الأقصر للوصول إلى المناصب القيادية فحين يعين مسؤول لا يملك الكفاءة أو الخبرة ويصل إلى موقعه بفضل النفوذ أو القرابة أو العلاقات الشخصية فإن أول ما يخشاه ليس الفساد بل وجود الموظف الكفء الذي يكشف ضعفه ويظهر عجزه أمام الجميع .


هذه هي المأساة الحقيقية التي تعيشها كثير من مؤسسات الدولة فبدلا من أن تكون الإدارة أداة لاكتشاف الكفاءات والاستفادة منها تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية وإقصاء كل من يمتلك علما أو خبرة أو قدرة على الإنجاز ويبدأ المدير غير المؤهل في ممارسة سياسة التقليل من شأن المتميزين وتوجيه اللوم والتوبيخ دون مبرر وحرمانهم من حقوقهم وفرصهم ليس لأنهم مقصرون بل لأن نجاحهم يفضح حقيقة من جلس على كرسي القيادة دون استحقاق .


إن المسؤول الواثق من نفسه لا يخشى الكفاءات بل يحيط نفسه بها ويمنحها الفرصة للإبداع لأنه يدرك أن نجاح المؤسسة هو نجاح له أما المسؤول الضعيف فإنه يرى في كل موظف ناجح منافسا يجب إقصاؤه وفي كل صاحب رأي تهديدا يجب إسكاته وفي كل صاحب خبرة خطرا على بقائه في المنصب وهنا تتحول الإدارة إلى وسيلة لحماية الأشخاص بدلا من حماية المصلحة العامة .


إن استمرار هذا النهج لا يعني سوى تكريس الفشل وإهدار الطاقات الوطنية ودفع العقول والكفاءات إلى العزلة أو الهجرة أو الإحباط فالمؤسسات لا تنهار بسبب قلة الموارد فقط وإنما تنهار عندما تدار بعقلية الخوف من الكفاءة ويكافأ أصحاب الولاءات بينما يعاقب أصحاب الإنجاز .


لقد أثبتت التجارب أن أخطر أشكال الفساد ليس الفساد المالي وحده بل الفساد الإداري الذي يضع الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب فهذا النوع من الفساد يفتح الباب أمام انهيار الأداء ويعطل التنمية ويقوض ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة ويجعل المنصب العام امتيازا شخصيا بدلا من كونه مسؤولية وطنية .


إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من احترام مبدأ الجدارة والاستحقاق وإخضاع التعيينات لمعايير الكفاءة والنزاهة والخبرة بعيدا عن المحسوبية والوساطة والنفوذ كما يبدأ بمحاسبة كل مسؤول يستغل سلطته لإقصاء الكفاءات أو تهميشها أو محاربتها بدافع الخوف أو الغيرة أو المصالح الشخصية .


إن الدول لا تبنى بالمجاملات ولا بالمحاصصة ولا بمن يخشون أصحاب الكفاءة وإنما تبنى بقيادات تمتلك الثقة والعلم والرؤية وتعتبر نجاح موظفيها نجاحا للمؤسسة لا تهديدا لمواقعها .


إن معركة بناء الدولة تبدأ بإسقاط ثقافة المحسوبية وإنهاء سياسة تمكين غير الأكفاء وترسيخ مبدأ أن المنصب العام تكليف لا تشريف وأن الكفاءة هي المعيار الوحيد للقيادة وما لم يتحقق ذلك فسيظل الفشل يتكرر وستبقى مؤسسات الدولة تدفع ثمن تعيينات لا تخدم الوطن بل تخدم الأشخاص ومصالحهم الضيقة فحين يصبح المدير عدوا للكفاءة فإن المشكلة ليست في الموظفين بل فيمن وصل إلى المنصب دون أن يستحقه .