حماية مطاحن الدقيق الوطنية خطوة نحو السيادة الغذائية والأمن القومي

الخميس - 14 مايو 2026 - 11:13 ص


أسامة أحمد الصبيحي
بقلم: أسامة أحمد الصبيحي
ارشيف الكاتب

في زمنٍ تتكالب فيه الأزمات الاقتصادية وتتزايد فيه التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي، يبرز القرار الحكومي الأخير بمنع استيراد الدقيق وفرض تدابير حمائية على الواردات باعتباره خطوة وطنية شجاعة طال انتظارها، وقرارًا استراتيجيًا لا يتعلق بالتجارة فحسب، بل بمصير بلدٍ بأكمله وبحق شعبه في امتلاك قوته وسيادته الغذائية.

لقد أدركت الحكومة الشرعية أن حماية المنتج الوطني لم تعد ترفًا اقتصاديًا أو خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة تفرضها التحولات العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد وتقلبات الأسواق الدولية، التي دفعت كثيرًا من الدول إلى إعادة النظر في سياساتها المتعلقة بالغذاء والدواء والطاقة.

إن صناعة الدقيق ليست مجرد نشاط تجاري عابر، بل تمثل أحد أعمدة الأمن القومي لأي دولة. فحين تمتلك البلاد مطاحنها الوطنية وصوامعها ومخزونها الاستراتيجي، فإنها تمتلك جزءًا مهمًا من قرارها السيادي، وتحمي شعبها من تقلبات الخارج والأزمات المفاجئة. أما فتح الأسواق بلا ضوابط أمام الإغراق السلعي، فإنه يؤدي في النهاية إلى إضعاف المصانع الوطنية وتحويل البلاد إلى سوق استهلاكية تعتمد بالكامل على الخارج.

وتزداد أهمية هذا القرار في ظل ما شهدته الأسواق اليمنية خلال السنوات الماضية من تدفق واسع للدقيق المستورد، الأمر الذي وضع المصانع المحلية أمام منافسة غير عادلة، رغم ما تتحمله من أعباء تشغيل ومسؤولية وطنية في الحفاظ على المخزون الاستراتيجي. كما أثبتت الأزمات السابقة أن الصناعات الوطنية كانت الأكثر قدرة على الصمود والاستمرار في وقت تراجع فيه كثير من المستوردين وانسحبوا من السوق عند اشتداد الظروف.

ومن هنا، فإن فرض رسوم وتدابير تعويضية على واردات الدقيق لا يُعد إجراءً جبائيًا بقدر ما هو خطوة حمائية لحماية الصناعات الوطنية من الإغراق والمنافسة غير العادلة، وهي سياسة تتبعها مختلف دول العالم للحفاظ على أمنها الغذائي والاقتصادي.

أما الحديث عن تأثير القرار على المنافسة، فيتجاهل أن المنافسة الحقيقية تكون عبر الاستثمار في مطاحن وطنية وصوامع غلال تعزز الإنتاج المحلي، لا عبر إضعاف المصانع الوطنية بمنتجات مستوردة تهدد بقاءها.

ويمثل هذا القرار رسالة مهمة بأن الدولة بدأت تدرك أهمية دعم الإنتاج الوطني وتقليل الاعتماد على الخارج، خصوصًا في القطاعات الحيوية المرتبطة بحياة المواطنين اليومية.

فحماية مطاحن الدقيق الوطنية اليوم ليست مجرد حماية لمصانع أو استثمارات، بل حماية لرغيف الخبز، وللاقتصاد الوطني، ولقدرة البلاد على الصمود في مواجهة الأزمات.