وانا في طريقي إلى كلية المجتمع استوقفني مشهد يختصر حكاية وطن بأكمله طفلان لم تكتمل ملامح الطفولة في وجهيهما يحملان أسلحةً أطول من قامتهم وأثقل من سنواتهم، تمشي البنادق معهما كأنها قدرٌ كُتب عليهم سألتهم إلى أين؟ فجاءني الرد بلا تردد نحن عسكر ذاهبون إلى الدوام، لم يكن في صوتهم تردد ولا في عيونهم دهشة، كأن الطفولة لم تمر من هنا أبداً، حاولت أن أستعيد شيئاً من منطق هذا العالم فقلت إن مكانكم في المدارس لا في الجبهات، بين الكتب لا بين الرصاص، لكنهم اختصروا كل شيء بجملة واحدة موجعة الدراسة لم تعد تنفع نريد أن نعيش، نريد راتباً يعيننا ويعين أهلنا فهنا فقط وجدت نفسي صامتاً لا لأنني اقتنعت، بل لأن الواقع كان أبلغ من أي حجة واقعٌ جعل الشهادة عبئاً لا قيمة له، واقعٌ يرى فيه هؤلاء الصغار خريجي البكالوريوس والماجستير بلا عمل، ويرى المعلم الذي يفترض أن يكون منارة يترك فصله، والطبيب الذي الذي اقسم أن يحفظ الحياة يبحث عن لقمة عيش خارج مهنته والأكاديمي الذي يحمل رسالة التنوير يطوي كتبه، لأن رواتبهم لم تعد تسد أدنى احتياجاتهم، فكيف نلوم طفلاً اختار ما يراه الطريق الوحيد للبقاء وكيف نقنعه بالعلم ونحن لم نجعل للعلم قيمة في حياتنا، لكن السؤال الأخطر الذي يجب أن يُوقظ كل ضميرٍ صامت ماذا لو توقفت تلك الرواتب التي تأتي من الخارج وأصبحت الأمل الوحيد لكثيرين! ماذا لو انقطع هذا الشريان فجأة، أين سيذهب هؤلاء ماذا سيتبقى لهم بعد أن أفنوا أعمارهم بعيداً عن التعليم وبلا مهنةٍ حقيقية سنجد أنفسنا أمام جيلٍ كامل يقف على حافة الفراغ لا شهادة تسنده، ولا مهارة تنقذه، ولا مستقبل واضح ينتظره، حينها لن يكون هناك جبهة تحتويهم ولا راتب يعوضهم، بل ضياعٌ يتسع وأزمةٌ تتفاقم، فإلى متى يستمر هذا الصمت من قبل المسؤولين وإلى متى تُترك العقول تُهدر والأحلام تُسرق، لماذا لا تُصنع فرص عمل تحفظ كرامة الخريجين، لماذا لا يُعاد الاعتبار للمعلم والطبيب والأكاديمي! لماذا لا يكون الاستثمار الحقيقي في الإنسان لا في استنزافه، فبناء الأوطان لا يبدأ من الجبهات بل من المدارس، ولا يُصنع بالسلاح بل بالعلم، وإن كنا اليوم بحاجة إلى سنوات لإعادة إعمار الأرض، فنحن بحاجة إلى مئات السنين إن استمر هذا الإهمال لنُعيد بناء الإنسان، وحينها لن ينفع الندم، لأن جيلاً كاملاً سيكبر وهو يردد نفس الجملة التي قالها أولئك الطفلان لم يعد هناك طريق آخر.