ميناء عدن يختنق: نملك بوابة العالم ونفتقد غرفة عمليات واحدة

الثلاثاء - 21 أبريل 2026 - 10:41 م


نبيل سعيد غالب
بقلم: نبيل سعيد غالب
ارشيف الكاتب

تشخيص استراتيجي ورؤية الـ100 يوم لاستعادة الدور العالمي قبل 2030


خاص: عدن


م. نبيل سعيد غالب شرف


عدن.. بوابة العالم التي صنعتها الجغرافيا


منذ 3000 عام وميناء عدن هو "ميزان التجارة" بين الشرق والغرب. موقعه الفريد عند باب المندب جعله يتحكم بـ 12% من التجارة العالمية اليوم.


في الخمسينات كان ثالث أنشط ميناء بالعالم بعد نيويورك وليفربول، لا بفضل النفط، بل بفضل موقعه الذي يوفّر 4 أيام إبحار، وعمقه الطبيعي، وحماية جبل شمسان.


التاريخ يثبت: كل قوة سيطرت على التجارة العالمية بدأت بعدن. وكل تراجع لعدن، دفع العالم ثمنه.


واليوم، عدن تملك كل مقومات "سنغافورة البحر الأحمر"... لكن ميناؤها يقف عند مفترق طرق حاسم.


أولاً: تشخيص الواقع - لماذا يختنق الميناء؟


بعد المتابعة والتحليل واللقاء مع المختصين في إدارة الموانئ البحرية، يتضح أن واقع ميناء عدن وما آل إليه هو نتيجة أيادٍ كانت ولا زالت تعبث في الجنوب بعد حرب 1994م. المعوقات صارت كثيرة وكبيرة، وأثرت بدورها في تصنيف الميناء كميناء رئيسي واستراتيجي يخدم التجارة والخطوط الملاحية العالمية.


إن الوضع الحالي لميناء عدن هو نتيجة لحالة التهميش التي فرضتها "لغة المنتصر" في حرب 1994م.


ويؤكد كثيرون من الخبراء المختصين أن ميناء عدن كان ولا زال ويجب أن يعمل كمركز رئيسي متعدد الخدمات لخدمة التجارة والملاحة الدولية، وليس فقط كميناء ترانزيت أو لخدمة سفن الحاويات فقط، أي كـ Multi-Mode Centre.


أبرز المعوقات الفنية والإدارية:


1. كارثة العمق - إرث PSA: عمق المياه الحالي الذي نفذته شركة PSA السنغافورية، والتي كانت تُدار وتوجّه من قبل سلطة موانئ دبي، هو عمل كارثي أضر بالميناء منذ 30 عاماً. كان يفترض على المشرفين جعل الغاطس على أقل تقدير 21 متراً، علماً بأن تعميق الغاطس اليوم يجب أن يتناسب مع التطورات العالمية لصناعة السفن العملاقة.

2. -غياب الاستقلالية وتعدد الجهات: الميناء حتى يومنا هذا يُدار بقرارات جمهورية ووزارية. أي لا توجد استقلالية لدى الميناء في إدارته وتشغيله. تعدد الجهات المختصة في إدارة وتشغيل وتسيير أعمال الميناء من شحن وتفريغ وخلافه هو سبب رئيسي للتعطيل.

3. فقدان الرؤية الاستراتيجية الموحدة: يجري العمل بردود الأفعال لا بالمبادرة. لا توجد وثيقة وطنية معلنة تحدد هدفاً رقمياً ملزماً مثل: "الوصول إلى 5 ملايين حاوية بحلول عام 2030م". هذا التباطؤ جعل الموانئ المجاورة تتقدم على ميناء عدن، رغم امتلاكه الميزات التنافسية.

4. الضعف الإداري والفني: بقاء السفينة 7 أيام للتخليص بدلاً من 24 ساعة، بسبب تضارب الصلاحيات بين مصلحة ميناء عدن والجمارك والمنطقة الحرة، ناهيك عن الممارسات الأمنية الخاطئة التي تسهم في تغيير مسار الخطوط الملاحية العالمية.

5. غياب سياسة تسويق الأمان: لم ننجح حتى الآن في إقناع العالم بأن ميناء عدن "منطقة شحن آمنة" عبر اتفاقيات حماية دولية وإعادة تصنيف تأميني، رغم أن التهديدات الأمنية تتركز في ممرات مائية بعيدة عنه.


خلاصة التشخيص: نحن نمتلك الموقع والميناء ذا المواصفات العالمية، لكننا نفتقد لـ "غرفة عمليات واحدة" تدير وتسوق وتفاوض بصلاحيات كاملة.


ثانياً: الأرضية جاهزة.. والقرار السيادي هو المطلوب


دعماً لهذا الطرح، أكد رئيس مؤسسة موانئ عدن د. محمد أمزربه بتاريخ 27 فبراير 2026م الجاهزية الفنية والتشغيلية للميناء لاستقبال مختلف السفن، كما أعلن عن تفاهمات جارية مع شركة صينية لتنشيط الحركة الملاحية.


وهذا ما أكده أيضاً الخبير في شؤون الموانئ البحرية والمناطق الحرة د. سعيد أحمد منصر: "الأرضية جاهزة والمطلوب فقط اتخاذ القرار السيادي لتحويلها إلى واقع".


وأضاف د. سعيد أحمد منصر أنه حتى تكون هناك رؤية فنية اقتصادية تشخيصية شاملة، على الدولة والجهات المختصة معرفة وتحديد ماذا تريد: هل المطلوب إقامة منطقة اقتصادية حرة؟ وهل ستسمح لنا دول المنطقة، وخاصة المملكة العربية السعودية، بتنفيذ هذه الرؤية الاستراتيجية لدفع أهم شريان اقتصادي بعد تصدير النفط؟


ثالثاً: الرؤية المقترحة - عدن 2030


الهدف الاستراتيجي: تحويل ميناء عدن إلى مركز عالمي متعدد الوظائف والخدمات.


قرارات الـ100 يوم لكسر الجمود وجذب العالم:

1. إنشاء الهيئة العليا لميناء عدن بقرار جمهوري، وتتكون من شخصيات مهنية، وتُمنح صلاحيات كاملة لإنهاء تعدد الجهات.

2. تطبيق نظام النافذة الواحدة وإنجاز كافة إجراءات التخليص الجمركي والأمني والمينائي خلال 4 ساعات كحد أقصى.

3. إعلان عدن "منطقة شحن آمنة" عبر توقيع مذكرات تفاهم مع شركات التأمين العالمية لتخفيض كلفة التأمين 70%.

4. إقرار حزمة تحفيز جريئة: إعفاء شبه كامل من رسوم المناولة والجمارك على بضائع الترانزيت لمدة عام لجذب الخطوط الملاحية المحولة من البحر الأحمر.

5. اعتماد "صندوق تطوير ميناء عدن" يمول ذاتياً من 2% من رسوم المناولة الحالية + المنح الدولية، ليغطي تكاليف الـ100 يوم الأولى دون تحميل الموازنة أعباء جديدة.


المشاريع الاستراتيجية الكبرى خلال عامين:

1. ميناء الحاويات الجديدبشراكة مع الشركة الصينية، مع ضرورة تعميق الغاطس لأكثر من 18 متراً ليتناسب مع سفن الحاويات العملاقة الحديثة وبطاقة 3 ملايين حاوية.

2. تطوير ميناء المشتقات النفطية لتفادي الأزمات والحظر المفروض من قبل بعض المناطق اليمنية.

3. إنشاء المنطقة اللوجستية الذكية بمساحة 10 كم² خلف الميناء لتكون مركزاً للتصنيع وإعادة التصدير.


تحذير استراتيجي: كل شهر تأخير يعني ترسيخ الخطوط الملاحية في موانئ صلالة وجيبوتي بعقود طويلة الأجل. تشير البيانات البحرية إلى أن 70% من السفن إذا غيرت مسارها واستقرت 6 أشهر لا تعود. فالتأخير اليوم يعني خسارة جيل كامل.


الخاتمة:


إن جيبوتي تعتمد على مينائها في 40% من دخلها القومي. كما تعتمد موانئ دبي وسنغافورة على موانئها، وميناء عدن يمتلك ميزات تفوقهما جميعاً.


فالمطلوب اليوم ليس أجلاً، بل قرار سيادي شجاع وموحد: تحويل إدارة ميناء عدن من عقلية "الدائرة الحكومية" إلى عقلية "الشراكة العالمية" ومنحها الاستقلالية والصلاحيات الكاملة.


إن عدم استغلال هذه اللحظة التاريخية يعني استقرار السفن التي حولت مسارها إلى موانئ صلالة وجيبوتي، وخسارة الميزة التنافسية لعشرين عاماً قادمة على أقل تقدير. علينا أن نسرع في فهم المتغيرات الإقليمية والدولية.


هذه رؤيتنا نضعها بين أيديكم، والأمر بعد الله، لجميع المهتمين وذوي الكفاءات للإسهام بما لديهم من خبرة علمية وعملية.


مقدمه من:

م. نبيل سعيد غالب شرف


نسخة مع التحية:

- الأخ/ رئيس مجلس القيادة الرئاسي المحترم

- الأخ/ محافظ عدن - وزير الدولة المحترم

- الأخ/ رئيس مؤسسة موانئ عدن المحترم

- الجهات ذات العلاقة والاختصاص المحترمين