​من ذي قار إلى الجوف.. القبيلة العربية حائط الصد الأزلي في وجه الهيمنة الفارسية.

قبل ساعتين


ناجي البشري
بقلم: ناجي البشري
ارشيف الكاتب

​ ناجي البشري


​تابعت يوم أمس مقالا متميزا للكاتب المخضرم عبد الله الأعجم، والذي ساق فيه مقارنة تاريخية وسياسية عميقة تستحق الوقوف أمامها تمليا وتحليلا. وفي قراءة واعية تدمج بين عبق التاريخ وإسقاطات الواقع المعاصر، يبرز هذا التناول كأداة لإعادة قراءة الوجدان العربي ومفهوم السيادة والأنفة القبلية فمن خلال استحضار قصة الشيخ حمد بن فدعم الحزمي ومآثره الفذة، والربط المحكم بمعركة "ذي قار" الخالدة، تتجلى بوضوح معالم الموقف الفارسي الثابت ـ بالأمس واليوم ـ تجاه القبيلة العربية باعتبارها حائط الصد المنيع أمام محاولات التمدد والهيمنة، وصولا إلى ما تشهده الساحة اليمنية اليوم.

​تعود الذاكرة التاريخية التي استدعاها الكاتب إلى اللحظة الفارقة التي غضب فيها كسرى ملك الفرس على عامله في الحيرة النعمان بن المنذر. وعندما ضاقت بالنعمان السبل واستشعر بطش الإمبراطورية الساسانية، لم يجد ملجأ يحفظ فيه عرضه وودائعه سوى بني شيبان من قبيلة بكر بن وائل، حيث استودع الشيخ الشهم هانئ بن مسعود الشيباني أهله، وعلى رأسهم ابنته هند، بالإضافة إلى أمواله ودروعه، قبل أن يمضي إلى مصيره المحتوم سجنا وقتلا على يد كسرى.

​ولم يكن مقتل النعمان كافيا لغليل كسرى، بل أرسل يطالب هانئ بن مسعود بتسليم الودائع والنساء. وهنا تجلت الروح العربية الأصيلة إذ رفض الشيخ الشيباني الطلب رفضا قاطعا، معتبرا أن تسليم "الدخيل" والنساء عار لا يمحوه الدهر، ومطلقا شعاره الذي خلد في ضمير الأمة "المنية ولا الدنية".

​خرج كسرى بجيوشه الجرارة مستعينا ببعض القبائل الموالية له لإبادة بني شيبان، والتقى الجمعان في موضع "ذي قار" قرب الكوفة، ليتفاجا الفرس بحمية عربية غير مسبوقة، تجسدت في انشقاق بعض القبائل وانضمامها سرا لإخوانهم، مما أسفر عن هزيمة مدوية لجيش كسرى، سجلت كأول انتصار ساحق لقبيلة عربية على أعتى إمبراطورية في ذلك الزمان.

​وفي إسقاط ذكي يعكس عمق الرؤية التحليلية، يبرز التماثل المدهش بين قصة هند بنت النعمان وقصة ميرا صدام حسين، كإشارة رمزية إلى الودائع الإنسانية والسياسية التي أعقبت تغيرات المشهد في بغداد وسقوط النظام السابق، وخروج عائلة الرئيس الراحل صدام حسين إلى العواصم العربية ومنها صنعاء، حيث تم منحها منزلا آنذاك من قِبل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح.

​بدأت القضية عندما لجأت السيدة ميرا صدام حسين محتمية بقبائل دهم لمساعدتها في استعادة ممتلكات ومنزل استولت عليها قيادات حوثية نافذة يتصدرها القيادي فارس مناع في صنعاء. وانطلاقا من نجدته ونخوته، لم يتردد الشيخ حمد بن فدغم في تبني هذه القضية العادلة، متوجها إلى صنعاء لإنهاء النزاع وإعادة الحق لأصحابه، مدفوعا بوجاهته القبلية وثقته بالحق الذي يحمله.

​إن الاستجارة لا تختبر في أوقات السلم، بل تظهر قيمتها الحقيقية عندما يطالب الخصم القوي بتسليم الدخيل او مصادرة أمواله مستخدما لغة التهديد والوعيد. هذا الموقف تجددت ملامحه في موقف الشيخ حمد فدعم الحزمي وقبيلته؛ فحينما حاولت جماعة الحوثي ممارسة الضغوط العسكرية والأمنية، فرضت القبيلة جدارا صلباً من الرفض. لم يكن هذا الرفض نابعا من انخراط في صراع سياسي مباشر بقدر ما كان امتثالا صارما للعرف القبلي العربي الذي يرى في تسليم المرأة أو الدخيل المستجير خطيئة كبرى تسقط معها هيبة القبيلة ومكانتها بين العرب، وتحولت السيدة ميرا في هذا السياق إلى رمز للعِرض والعهد يتوجب الذود عنه.

​بدلا من احترام الوجاهة القبلية وصون الأعراف، أقدمت مليشيا الحوثي على اختطاف الشيخ حمد بن فدغم وربيعته في منطقة الحتارش على الطريق الرابط بين صنعاء والجوف، واقتيادهما إلى السجن. هذا التصرف اعتبرته قبائل دهم وبكيل طعنة في خاصرة العرف القبلي وإهانة متعمدة لكرامة القبيلة، وهو ما يُعرف في التقاليد اليمنية بالعيب الأسود.

​إن ما يمارسه الحوثيون ضد عرب اليمن وقبائلها لا ينفصل عن العقدة التاريخية الفارسية تجاه القبيلة العربية. فإذا كان كسرى بالأمس قد استخدم جيوشا لإخضاع القبائل، فإن طهران اليوم تعتمد على وكيلها المحلي المتمثلة بـجماعة الحوثي. تسعى المليشيا بشكل ممنهج إلى تفكيك البنية القبلية اليمنية، وإذلال رموزها وتفجير منازل مشايخها الذين يرفضون التبعية، مستهدفة تحويل القبيلة من كيان حر ذي سيادة ونخوة إلى مجرد خزان بشري لرفد جبهات القتال، وتجريدها من هويتها العربية القحطانية الصرفة واستبدالها بنظام الولاية الدخيل.

​وكما تحركت الحمية في معركة ذي قار وانضمت قبائل أخرى سرا لنصرة بني شيبان دفاعا عن هند بنت النعمان، فإن ثبات الشيخ الحزمي وقبيلته حظي باحترام وتقدير شعبي وقبلي واسع، كونه أعاد إحياء السلوك القيادي القائم على الوفاء وحفظ الذمام في زمن كثرت فيه التقلبات السياسية والمصالح الآنية.

​عند تحليل الموقف الفارسي من القبيلة العربية عبر التاريخ، يتضح أن النظرة لم تتغير في جوهرها فالقبيلة بما تملكه من قيم الأنفة تمثل النقيض التام لثقافة التبعية الطائفية العمياء. ولذلك، فإن كسر مشروع الحوثي في اليمن وبتر أذرع طهران يبدأ من تعزيز صمود القبيلة عبر الخطوات التالية:


1-​هبة قبلية شاملة: تحويل هذا التحرك القبلي إلى هبة تشترك فيها قبائل بكيل وحاشد ومذحج، لتأكيد أن المساس بأي رمز قبلي أو تفتيت الأعراف هو استهداف لكيان القبيلة اليمنية ككل.

​ولم يكن بكاء الشيخ حمد بن فدغم في تلك اللحظات امام الحشود القبيلة مجرد تعبير عن ألم السجن أو مرارة التعذيب الذي كابده، بل كان في العرف القبلي اليمني بمثابة "صرخة نكف" ونداء كرامة يهز القلوب. إن نزع الشال وكسر "الجفل" أمام تلك الحشود لم يكن انكسارا، بل كان تفعيلا لأعلى درجات الاستنجاد بالقبيلة والنخوة العربية،

ليضع قضية حماية "ربيعته" أمانة في أعناق قبائل بكيل وعموم قبائل اليمن، مؤكدا أن دفع ثمن الحرية والوفاء بالعهد لا يقدر عليه إلا الكبار.


2-​استغلال النفوذ الجغرافي والاقتصادي: يتوجب على القبائل في الجوف ومأرب والمناطق المتاخمة استخدام نفوذها الحاسم للضغط الاقتصادي والميداني، وقطع خطوط الإمداد أو محاصرة المصالح التي تعتمد عليها القيادات الحوثية النافذة في تلك المناطق.


3-​الدور المؤسسي للحكومة الشرعية: على الحكومة الشرعية أن تدرك أن القبيلة هي الرافد الأساسي للمعركة الوطنية. يجب احتواء القادة القبليين، وتنسيق الجهود معهم بشكل مؤسسي ومستدام، وذلك من خلال بناء ثقة حقيقية بين مجلس القيادة الرئاسي والقبائل المناوئة وعدم خذلانها في معاركها ضد الحوثي.


4-​الإسناد العسكري واللوجيستي الفوري: مد مطارح القبائل بالدعم اللوجيستي وتأمين خطوطها الخلفية، ورفع الجاهزية العسكرية على جبهات الجوف ومأرب لإشعار المليشيا بأن أي تصعيد سيواجه برد قاصم.

5-​التعبئة الإعلامية: يتوجب على وسائل الإعلام الرسمية والناشطين تسليط الضوء على هذه القضية، ليس كنزاع محلي، بل كدليل قاطع على رفض المجتمع اليمني بمختلف شرائحه للمشروع الحوثي، وتعرية شعاراته التي تدعي احترام القبيلة وتأمين المواطنين.


6-​العلاقة التكاملية: بين القبيلة والدولة هي صمام الأمان الذي يحمي المجتمع من الفوضى، حيث تضمن الدولة سيادة القانون والمواطنة، بينما تشكل القبيلة رافدا اجتماعيا لتعزيز الاستقرار والهوية الوطنية.



​أخيرا، إن ما سطره الكاتب عبد الله الأعجم في قراءته المتأنية يمثل صرخة وعي وثائقي وسياسي في آن واحد فالقصة التاريخية ليست للاجترار بل للاستبصار. واليوم، إن لم تلتق إرادة القبيلة على الأرض مع استراتيجية الحكومة الشرعية في استثمار هذا الغضب، فإن المليشيا ستعمل على قمع هذا التحرك بهدوء أما التنسيق والالتحام بين الطرفين فهو الكفيل بتحويل هذا النكف إلى شرارة لتغيير الميزان الميداني في شمال اليمن.

​إن القوانين السياسية قد تتغير، والدول قد تولد وتموت، ولكن الأعراف الإنسانية والأخلاقية المحصنة بالكرامة والنخوة تظل عابرة للقرون. ويبقى موقف الشيخ حمد فدعم الحزمي شاهدا معاصرا على أن مبدأ "المنية ولا الدنية" في حماية الأعراض وإجارة الدخيل، ليس شعارا من الماضي، بل هو واقع حي يتوارثه الأحرار جيلا بعد جيل، وتثبت الأيام أن العمق العروبي للقبيلة اليمنية هو الصخرة التي تتكسر عليها أوهام النفوذ الإيراني في جنوب الجزيرة العربية.