تجربة السعودية في مكافحة الفساد والشفافية: مصدر إلهام في منطقتنا العربية وتحديداً اليمن

الأحد - 29 مارس 2026 - 02:14 م


ضياء خميس مبارك المحورق
بقلم: ضياء خميس مبارك المحورق
ارشيف الكاتب


إلى: فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، والفريق الركن محمود الصبيحي، والشيخ أبو زرعة المحرمي، ودولة الدكتور رشاد شائع.


الموضوع: استلهام تجربة المملكة العربية السعودية في مكافحة الفساد لنجاحها إقليمياً وعالمياً


بعد التحية،


في إطار متابعتنا للتجارب الإقليمية الناجحة في مجالات الحوكمة ومكافحة الفساد، أجد أن التجربة السعودية تستحق وقفة متأنية، ليس فقط لما حققته من نتائج ملموسة، بل لما تمثله من نموذج متكامل في التحول المؤسسي الذي يمكن أن يكون مصدر إلهام لدول المنطقة، وفي مقدمتها بلادنا.


فقد شهدت المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة تحولًا مؤسسيًا استثنائيًا، جعل من مكافحة الفساد نظام عمل دائمًا، ومن الشفافية ثقافة مؤسسية راسخة. ومن أبرز معالم هذه التجربة:


1. البناء المؤسسي المتين: تطوير هيئة الرقابة ومكافحة الفساد (نزاهة) لتصبح سلطة مستقلة ذات صلاحيات واسعة، مع تبني أسلوب علني في الإبلاغ عن الإنجازات، مما عزز ثقة المواطن والمستثمر.

2. الرقمنة كأداة للحوكمة: إطلاق منصات مثل "إتمام" لتتبع العقود الحكومية، و"أداء" لقياس أداء المؤسسات، و"إكسبرو" لإدارة المشاريع — وهو ما حوّل الرقابة من مفهوم تقليدي إلى نظام إلكتروني فوري وموضوعي.

3. الإصلاح التشريعي العميق: تحديث أنظمة الشركات، إنشاء محاكم تجارية متخصصة، وإصدار قانون الاستثمار الجديد الذي يضمن المساواة بين المستثمرين المحليين والأجانب.

4. الشفافية المالية: ولأول مرة، أصبحت الميزانيات الحكومية مفصلة ومنشورة للعموم، مع الالتزام بمعايير التدقيق الدولية.

5. الاستدامة: الانتقال من مرحلة الحملات الردعية إلى نظام دائم للحوكمة، مع استمرار عمليات الرقابة والتدقيق حتى في المستويات الوظيفية الدنيا.


أوجه الاستفادة من التجربة السعودية:


إن دواعي الاستفادة من هذه التجربة تصبح أكثر إلحاحاً عندما ننظر إلى حجم التحديات التي تواجه بلادنا. فقد كشفت تقارير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة (أعوام 2022-2023) عن اختلاسات وهدر موثق تجاوز 1.7 مليار دولار في عدد محدود من القضايا، منها صفقة كهرباء حضرموت (870 مليون دولار) وهدر في مشتقات النفط بعدن وتهريب أرصدة محافظات، إضافة إلى قضايا في السفارة بالقاهرة والقنصلية بجدة. هذا الواقع يؤكد أننا لا نواجه مجرد ثغرات رقابية، بل انهياراً منظماً للثقة بين المواطن والدولة، مما يجعل الاستفادة من النموذج السعودي ضرورة وطنية ملحة.


ومن خلال دراستنا المعمقة لهذه التجربة يتجلى أمامنا سؤالًا مهمًا: كيف يمكن لدولة مثل اليمن، والتي تعيش مرحلة انتقالية دقيقة، أن تستفيد من هذا النموذج؟


في رأيي المتواضع، لا نحتاج إلى إعادة اختراع العجلة. ما نحتاجه هو:


· استلهام الروح المؤسسية التي جعلت من مكافحة الفساد نظامًا وليس مجرد قرارات وقتية.

· الاستفادة من الأنظمة الرقابية الإلكترونية التي أثبتت فعاليتها في ضبط الأداء المالي والإداري.

· تبني ثقافة الشفافية كخيار استراتيجي، لا كرد فعل لأزمات.

· تعزيز بناء قدرات مؤسسات الدولة الرقابية الموجودة وإعطاؤها صلاحيات حقيقية، مع إرادة سياسية تدعمها.

· إجراء تعديلات دستورية ترفع الحصانة عن شاغري الوظائف العليا في الدولة (كالمادة 9 من القانون رقم 20 لسنة 2014 بشأن الحصانة القضائية لكبار الموظفين).

· تعزيز دور منظمات المجتمع المدني المتخصصة في مجال الحوكمة والشفافية ومكافحة الفساد والإصلاح المالي والإداري لتقوم بدورها الوطني كأحد أعمدة الحكم الرشيد.


إن نجاح أي تجربة إصلاحية يقاس بمدى قدرتها على التحول من حالة استثنائية إلى نظام دائم. وهنا تكمن أهمية التجربة السعودية التي استطاعت أن تحول مكافحة الفساد والشفافية إلى ثقافة مؤسسية راسخة.


أتمنى أن تكون هذه التجربة مصدر إلهام لنا في اليمن، وأن نتمكن من الاستفادة من هذه الخبرات بما يتناسب مع خصوصية مرحلة بناء الدولة اليمنية.


مع خالص التقدير،


ضياء خميس مبارك المحورق

رئيس المنظمة الوطنية للشفافية والإصلاح المالي والإداري


عدن – 29 مارس 2026م