تقرير صحفي استقصائي:(
أعده موسى سعيد المورم
)
في منطقة رقة باعزوم بمديرية ميفعة، حيث يعتمد عشرات المزارعين على مياه السيول لري أراضيهم، يجري تنفيذ مشروع تأهيل قناة القطاط والعادية بتمويل من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، عبر مشروع الأشغال العامة.
المشروع الذي كان يفترض أن يمثل تدخلًا تنمويًا يحسن الاستفادة من مياه السيول ويحمي الأراضي الزراعية، أصبح اليوم محل تساؤلات واسعة من أبناء المنطقة، في ظل ما يقول الأهالي إنه تلاعب في التنفيذ، وعشوائية في بعض الأعمال، وعدم التزام بالمواصفات الفنية الواردة في وثائق المشروع وعقد التنفيذ.
لكن القضية، بحسب الأهالي، لا تتعلق فقط بما نُفذ وما لم يُنفذ؛ بل تتعلق أيضًا بسؤال أكبر:
من يراقب المشروع عندما تقول السلطة المحلية في المديرية إنها لا تملك سلطة عليه؟
المشروع مركزي .. ومن هنا بدأت المشكلة
يقول أبناء المنطقة إنهم عندما حاولوا إيصال ملاحظاتهم وشكاواهم إلى السلطة المحلية في مديرية ميفعة، كان الرد المتكرر أن المشروع مركزي، وأن تنفيذه يتبع مشروع الأشغال العامة، وأن الجهة المسؤولة عنه جاءت من صنعاء، وبالتالي لا توجد للسلطة المحلية – بحسب ما يقال – صلاحية مباشرة للتدخل في أعماله.
قد يبدو الأمر إداريًا في ظاهره، لكنه يفتح بابًا خطيرًا من الأسئلة حول منظومة الرقابة.
فالمشروع يُنفذ داخل أراضي مديرية ميفعة، ويستهدف مزارعيها، وتنفذ أعماله في مجاري السيول وأراضي السكان، بينما تقول السلطة المحلية إنها لا تملك سلطة عليه.
فإذا كانت السلطة المحلية لا تستطيع الرقابة، فمن يمارس الرقابة اليومية على المشروع أمام المجتمع؟
والأخطر من ذلك أن هذه الحالة، بحسب الأهالي، وفرت للمشروع مساحة واسعة من العمل بعيدًا عن الرقابة المجتمعية والمحلية المباشرة.
ويقول بعض أبناء المنطقة إن هذا الأمر أعطى الجهات المنفذة شعورًا بأن المشروع بعيد عن المساءلة المحلية، خصوصًا أن الاعتراضات والشكاوى لا تجد جهة محلية تستطيع التدخل الفوري لإيقاف الأعمال المخالفة أو التحقق منها.
مشروع يأتي من صنعاء.. وينتهي أثره عند مزارعي القطاط
المشكلة ليست في كون المشروع مركزيًا بحد ذاته، ولا في أن الجهة المنفذة تتبع مشروع الأشغال العامة.
المشكلة الحقيقية هي: هل المركزية تعني غياب الرقابة؟
المشروع قد يكون إداريًا تابعًا لجهة مركزية، لكن أعماله تنفذ على أرض ميفعة، وأضراره – إن ثبت وجودها – تقع على أبناء ميفعة، ومستفيدوه من مزارعي المنطقة.
ولهذا فإن أبناء المنطقة يطرحون مطلبًا بسيطًا:
إذا كانت السلطة المحلية لا تملك صلاحية الرقابة، فعلى الجهة المركزية أن توفر رقابة فنية حقيقية وشفافة، وأن تسمح للمجتمع المحلي بمعرفة ما الذي نُفذ، ووفق أي مواصفات، وكم بلغت كمياته، وما الذي تم صرفه عليه.
أول سيل يكشف هشاشة التنفيذ
من أبرز ما يثير التساؤلات ما حدث للدفاعات الشبكية (Gabion) التي تم تنفيذها ضمن المشروع.
فبحسب إفادات مزارعين من المنطقة، لم يمض وقت طويل على تنفيذ أجزاء من هذه الدفاعات حتى جاء أول سيل، وهو سيل يصفه الأهالي بأنه صغير ومتوسط مقارنة بالسيول الكبيرة التي اعتاد الوادي استقبالها.
ومع ذلك، تعرضت أجزاء من الدفاعات للانهيار والسقوط.
وهنا لا يحتاج الأمر إلى سجال طويل بين المواطنين والجهة المنفذة؛ فالموقع نفسه أصبح شاهدًا يحتاج إلى فحص هندسي.
هل تم تنفيذ الجابون وفق التصميم؟
هل تم الحفر والتأسيس بالعمق المطلوب؟
هل وضعت الأحجار والشبك والتثبيت بالطريقة المحددة في المواصفات؟
هل اختيرت المواقع المناسبة للدفاعات؟
وهل تتطابق الكميات المنفذة على الأرض مع الكميات التي تم اعتمادها وصرف مستحقاتها؟
هذه الأسئلة لا يجيب عنها بيان أو تصريح، وإنما لجنة فنية مستقلة تنزل إلى الموقع وتقارن الواقع بالمخططات والعقد والمستخلصات.
أموال منحة.. والنتيجة لا تقنع المستفيدين
أبناء المنطقة يؤكدون أن القضية تمس أموالًا مخصصة لخدمة المجتمع، وأن أي خلل في تنفيذها يعني خسارة مباشرة على المستفيدين.
ويقول مزارعو القطاط إنهم كانوا ينتظرون من مشروع التأهيل أن يجعلهم أكثر قدرة على الاستفادة من مياه السيول، وأن يحافظ على مجرى القناة ويعزز حماية الأراضي الزراعية.
لكن ما حدث – بحسب شهاداتهم – كان عكس ذلك.
فقد مرت السيول الأخيرة دون أن يحقق المشروع الاستفادة التي كان المزارعون يتوقعونها، فيما تعرضت أجزاء من الأعمال المنفذة للانهيار.
ويذهب بعض المزارعين إلى مقارنة الوضع الحالي بما كان يحدث سابقًا، حيث كانوا يقومون بفتح وتنظيف مجاري المياه باستخدام الشيولات، ويقولون إنهم كانوا يستفيدون من مياه السيول بصورة أفضل مما هي عليه بعد تنفيذ المشروع.
فما الفائدة من مشروع تأهيل قناة إذا كانت القناة بعد التأهيل لا تؤدي الوظيفة التي أنشئ المشروع من أجلها؟
المواطن يريد أن يرى المنحة على الأرض
المجتمع المحلي لا يطالب بمعرفة تفاصيل معقدة لا يفهمها، وإنما يريد إجابات واضحة:
كم بلغت قيمة الأعمال؟
ما الكميات التي نص عليها العقد؟
ما الذي تم تنفيذه فعليًا؟
هل جميع الأعمال المنفذة مطابقة للدراسة والمخططات؟
هل تم تعديل أي أعمال أو مواقع أثناء التنفيذ؟
ومن قام بالإشراف والاستلام؟
وهل تم صرف مستحقات مقابل أعمال لم تنفذ أو نفذت بصورة مخالفة للمواصفات؟
هذه ليست أسئلة سياسية، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها اعتراضًا على مشروع تنموي.
بل هي أسئلة طبيعية من مجتمع مستفيد من مشروع ممول من منحة دولية.
المطلوب ليس اتهام أحد.. بل كشف الحقيقة
الحديث عن وجود تلاعب أو فساد في مشروع بهذا الحجم لا ينبغي أن يتحول إلى اتهامات جزافية.
لكن في الوقت نفسه، لا يجوز استخدام صفة المشروع المركزي لإغلاق باب الأسئلة أمام المجتمع المحلي.
إذا كانت هناك مخالفات، فيجب كشفها ومحاسبة المسؤول عنها.
وإذا لم تكن هناك مخالفات، فلتظهر الحقيقة من خلال لجنة فنية مستقلة وشفافة.
أما أن يكون المشروع مركزيًا، والسلطة المحلية تقول إنه لا دخل لها به، والجهة المنفذة تأتي من خارج المديرية، والمجتمع المحلي يشاهد الأعمال على أرضه دون أن يجد جهة محلية قادرة على مساءلة المنفذين، فهذه هي الحلقة التي تحتاج إلى معالجة.
رسالة إلى الجهات الرقابية والمانح
إن قضية قناة القطاط والعادية تستحق أن تصل إلى الجهات المعنية في مشروع الأشغال العامة، والجهات الحكومية المختصة، والجهات الرقابية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
والمطلوب ليس أكثر من نزول فني مستقل إلى الموقع، ومراجعة ملف المشروع كاملًا، ومقارنة الدراسة والعقد والمواصفات والمخططات مع الأعمال المنفذة فعليًا، ومراجعة المستخلصات والكميات وأعمال الإشراف والاستلام.
كما أن من حق المجتمع المحلي أن يعرف نتيجة هذه المراجعة.
فالمنحة التي تأتي باسم التنمية يجب أن تظهر نتائجها في الأرض، لا أن تتحول إلى أعمال لا تحقق الغرض منها.
وفي القطاط اليوم، السؤال الذي ينتظر إجابة ليس: من قال إن هناك فسادًا؟
بل:
ماذا نُفذ فعلًا؟
وبأي مواصفات؟
وكم صُرف؟
ومن راقب؟
ومن استلم؟
ومن يتحمل المسؤولية إذا ثبت وجود مخالفة؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى خصومة مع أحد، وإنما تحتاج إلى شفافية وتحقيق مهني ومساءلة حقيقية.
فالقول إن المشروع مركزي يجب ألا يعني أن الرقابة معدومة .
المركزية في التنفيذ لا تعني المركزية في الإفلات من المساءلة.



