تعز.. الجبهة التي لا تنتظر الإشارة

قبل 50 دقيقة


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

في اليمن جبهاتٌ قيل لنا، بلسان وزير الدفاع، إنها «تنتظر الإشارة». أما تعز فلم تنتظر إشارةً من أحد. حين زحف الحوثي إلى ريفها، اصطدم برجالها في أكثر من خمسين منطقة وموقعًا: من النشمة والبيرين والأقروض، إلى سامع والصلو وحيفان والراهدة، ومن مقبنة وجبل حبشي، الذي صار في معظمه جبهة، إلى الطوق الذي يلتف حول المدينة. هنا لا توجد جبهة واحدة؛ معظم تعز جبهة، وكلما تقدم الحوثي وجد رجلًا يقاتله.


نعم، في تعز من خان، ومن يصرخ كلما اشتد الزحف، خوفًا أو طمعًا. فتُفًّا لمن باع موقعه، وتُفًّا لمن دلّ الغازي على قريته، وتُفًّا لمن جلس في الخلف يُرجف في الناس. لكن هؤلاء شواذ، والأصل مجتمعٌ مقاوم ماضٍ في تضحياته، لم ينتظر أحدًا ليعلّمه معنى الدفاع عن أرضه.


في الميدان رجالٌ يتناوبون على سلاح واحد، حتى صاروا هم الآلة والعربة: أحدهم يجرّ السلاح المتوسط والآخر يرمي به، وحفاةٌ يتصدون للغازي على صخر الجبل. وفي المقدمة امرأة لا تُضاهى: تعجن الكعك للجبهات، وتبيع الحلوى لتشتري بثمنها الذخيرة، وتنذر ابنها للوطن، وتحمل السلاح.


وتناقلت المنصات قصة امرأة رأت عناصر حوثية يزرعون الألغام قرب بيتها، فخرجت إليهم بسلاح البيت، فأردت أربعة وجرحت اثنين، ثم مضت شهيدة. روايةٌ تحتاج توثيقًا، لكن دلالتها لا تحتاج شرحًا: في تعز لم يعد إسناد الجبهة شأنًا عسكريًا وحده، بل صار فعلًا تشارك فيه المرأة والرجل والأسرة والقرية.


أما حياة الذبحاني، فلا يعنيني من هي بقدر ما يعنيني ما فعلت. سمعت اسمها من مقاتلين في الجبهات المتقدمة. تجمع المال، وتعرض أرقامه علنًا وتحصيها باستمرار، ثم تشتري به سلاحًا وذخيرة وتوصلها إلى الجبهات بشجاعة وأمانة وشفافية. وبلغت ثقة الناس بها أن تبرعات وصلتها حتى من مناطق سيطرة الحوثي. وهي تقول: «الهدف صنعاء، ونحتفل في السبعين، وحينها سأتوقف». كم أنتِ عظيمة يا حياة تعز!


لكن صوتًا آخر وصلني من جبل حبشي: «تكلم واكتب.. الناس لا يجدون الذخيرة داخل تعز. عيب! عار على التجار، عار على المسؤولين». والحوثي يعرف ما ينقص المواقع، فالذي يحتاج أن يسمع هو صاحب القرار. وإذا كانت المرأة تجمع ثمن الطلقة، فأين يذهب ثمنها في الموازنات؟


الفزعة، في عُرف اليمنيين، لا تأتي بعد أن يحترق البيت. منذ مطلع سبتمبر زحف الحوثي إلى ريف تعز، وتقدم في الكدحة حتى البيرين، وقطع شريان تعز–التربة–عدن، واستعرض قادته في الريف. ودشّن محمد الحوثي «حيّ على خير العمل» في مآذن لم تعرفها يومًا، في استفزاز عقدي قبل أن يكون عسكريًا.


ثم جاء «فجر اليمن»، فمرحبًا به. لكن الفجر المتأخر يترك خلفه ليلًا من الدم كان يمكن اختصاره. فأي إشارة أبلغ من هذا؟ وأي ظرف أخصّ من ظرف تعز؟


ويقول وزير الدفاع إن جبهات تعز المحاصرة ستكون «خلال الأيام القادمة» تحت سيطرة الشرعية، وإن تعز «على موعد مع التحرير». والعبارة، على حسن نيتها، تتحدث عن تعز كأنها تنتظر من يستعيدها، لا كأنها هي التي صمدت حتى جاء الوعد. فتعز، يا معالي الوزير، لم تسقط. سقطت مواقع واستُعيدت، والمدينة واقفة شامخة محتسبة في حصارها، وريفها يقاتل.


تعز لا تحتاج موعدًا مع التحرير؛ تعز تحتاج موعدًا مع الذخيرة والقرار.


واليوم استعادت ألوية العمالقة ودرع الوطن ذوباب والمخا، وتحررت الوازعية. وفي البريهة أعلنت «درع الوطن» إحكام سيطرتها على أعلى قمة في جبل حبشي، بعد أن ظل الحوثي أكثر من شهر يزحف إليها ولا يبلغها، يصدّه رجالٌ راسخون كجبالهم. لم تكن القمة مجرد مرتفع جغرافي، بل موقعًا لو سقط لأطبق الحوثي بناره على ما حوله من جبال وممرات. وبقاؤها في يد رجالها حتى جاء الإسناد درسٌ لا ينبغي أن يضيع.


والدرس واضح: لا يكفي أن تتقدم الجبهة، بل يجب أن تتقدم الدولة معها. والطلعة الجوية التي لا تغيّر الحركة على الأرض تبقى رقمًا في بيان. والجبهات مسارٌ واحد لا جزرٌ متفرقة. ما يُستعاد يجب أن يُؤمَّن، وما يُغتنم يجب أن يُحفظ، ولا يُترك خلف الخطوط فراغٌ يعود منه الحوثي. وكرامة الشهداء وسلاح المقاتلين مسؤولية دولة، لا تفاصيل مؤجلة.


الشعب يستطيع أن يسند الجيش، لكنه لا يكون بديلًا عنه. وأخطر ما قد يحدث أن يصير سبقُ الشعبِ الدولةَ إلى الجبهة هو القاعدة. فتعز لم تنتظر الإشارة يومًا، وإنما تنتظر أن تصل إليها الدولة بما يليق بتضحيات رجالها.


والفجر الذي بلغ البحر لا ينبغي أن يقف عنده؛ عليه أن يصعد الجبل، ويمرّ بتعز، ثم يمضي إلى صنعاء.