فجر اليمن.. متغيرات ما بعد القرار وخرائط الحسم الجديدة

قبل 47 دقيقة


عمر الحار
بقلم: عمر الحار
ارشيف الكاتب

عمر الحار


ثَمّة متغيرات جديدة دخلت على المشهد اليمني، منذ الإعلان عن انطلاق عملية «فجر اليمن»، وتفرض قراءة التطورات من زوايا سياسية وعسكرية وإقليمية متعددة، لا باعتبارها مجرد جولة جديدة من جولات الحرب، وإنما بوصفها تحوّلًا في طبيعة المعادلة التي حكمت الصراع خلال السنوات الماضية. فالمعلن عن العملية يرتبط باستعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب، فيما تكشف التطورات المصاحبة لها عن إعادة ترتيب أوسع لأدوات المواجهة ودوائر الإسناد.

واللافت هنا أن المتغير لا يكمن في إطلاق العملية وحده، وإنما في البيئة السياسية والعسكرية التي جاءت فيها؛ إذ تتزامن مع تحركات لإعادة تنظيم القرار العسكري، وتوسيع نطاق الإسناد الإقليمي، وتفعيل التزامات «حلف مكة»، في وقت تتزايد فيه التداعيات المرتبطة بالهجمات الحوثية على المملكة وأمن الممرات البحرية. وهذا يجعل من «فجر اليمن» عنوانًا لمرحلة تستحق التوقف عندها أكثر من كونها اسمًا لعملية عسكرية.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، تكتسب المشاركة الباكستانية المحتملة في ترتيبات الدفاع والإسناد أهمية خاصة؛ فإسلام آباد ليست طرفًا عسكريًا عاديًا في الحسابات الإقليمية، كما أن تفعيل اتفاق مكة يفتح الباب أمام صيغة أمنية جماعية تتجاوز حدود المواجهة اليمنية المباشرة. ومع ذلك، فإن طبيعة المشاركة وحدودها العملية تظل من المسائل التي ينبغي التفريق فيها بين ما هو معلن وما هو قيد التطور، خصوصًا في ضوء النقاشات الجارية حول نطاق الالتزامات.

وهنا تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها مركزًا رئيسيًا في إعادة تشكيل هذه المعادلة؛ فالتعامل مع التطورات لا يجري على مسار عسكري منفرد، وإنما ضمن شبكة أوسع من الشراكات السياسية والأمنية. ومن شأن هذا النهج أن يضيف إلى القرار اليمني مساحة أكبر من الحركة، خصوصًا إذا تزامن الدعم الخارجي مع توحيد أدوات القوة داخل معسكر الشرعية، وانتقالها من حالة التعدد والتباين إلى حالة أكثر انتظامًا في القيادة والتنسيق.

والاختبار الحقيقي، في نهاية المطاف، لن يكون في كثافة الضربات الجوية وحدها، وإنما في قدرة الشرعية على تحويل القوة العسكرية إلى مسار سياسي ومؤسسي متكامل؛ فالمعركة، كما أعلن الرئيس العليمي، لا تستهدف تغيير خطوط التماس فقط، بل استعادة مؤسسات الدولة وفتح الطريق أمام سلام مستدام.

ومن هنا تأتي أهمية إعادة تنظيم التشكيلات العسكرية وتوحيد القرار العملياتي؛ إذ إن أي تقدم ميداني يظل محدود الأثر ما لم يسنده قرار سياسي وعسكري موحد، قادر على استثمار اللحظة وتحويل المكاسب المتفرقة إلى مسار متصل نحو استعادة مؤسسات الدولة.

وفي الجانب الآخر، تبدو قضية الاتصالات والقيادة والسيطرة واحدة من مفاتيح المعركة التي لا تقل أهمية عن خطوط الإمداد التقليدية. فتعطيل قدرة أي قوة مسلحة على التواصل وتبادل المعلومات وإصدار الأوامر في الوقت المناسب يضعف تماسكها العملياتي، ويجعل قدرتها على إدارة الجبهات أقل كفاءة، وهو ما يفسر أهمية الحرب على منظومات الاتصال والسيطرة بالتوازي مع العمليات الميدانية.

وتظل تعز حاضرة في قلب أي قراءة لمسار الحسم؛ ليس فقط باعتبارها جبهة عسكرية، وإنما بحكم موقعها وثقلها الوطني والسياسي والجغرافي. ولذلك فإن ما يحدث فيها أو حولها يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز حدود المحافظة، خصوصًا في أي مسار يستهدف إعادة تشكيل خريطة السيطرة وصولًا إلى العاصمة.

ومن هذه النقطة تحديدًا، يصبح الحديث عن صنعاء مختلفًا. فاستعادة العاصمة قد لا تبدأ بالضرورة من أطرافها، بل من انهيار الشروط التي تجعل الدفاع عنها ممكنًا؛ أي من تراجع القدرة على الإمداد، واضطراب القيادة والسيطرة، وتآكل التماسك الداخلي، واتساع الضغط العسكري والسياسي في محيطها.

ولذلك، فإن السؤال الأهم الذي تطرحه المتغيرات الراهنة ليس: متى تصل المعركة إلى صنعاء؟ وإنما: متى تصبح صنعاء غير قادرة على البقاء خارج الدولة؟

هذه هي المسافة التي ينبغي مراقبتها في المرحلة المقبلة؛ فنجاح «فجر اليمن» لن يقاس فقط بما يتحقق على الخرائط، وإنما بقدرته على إنتاج معادلة جديدة تعيد مركزية الدولة، وتوحّد أدواتها، وتضع نهاية لمسار الانقلاب، وتفتح في الوقت نفسه طريقًا واقعيًا نحو السلام.

فالفجر، في دلالته السياسية، لا يعني بداية المعركة فقط؛ بل يعني أن الليل الطويل قد بلغ لحظة الاختبار، وأن اليمن يقف أمام فرصة لإعادة تعريف نهاية الحرب: لا بتغيير مواقع السيطرة فحسب، وإنما بعودة الدولة إلى موقعها الطبيعي، وعودة القرار الوطني إلى مؤسساته.