في الوقت الذي تشهد فيه اليمن حربًا شرسة وأوضاعًا كارثية قاسية، جراء تلك الحرب الهمجية القذرة التي تُشن عليها من قبل أذناب القوة الملكية الجدد، الذين يريدون إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، مستغلين الأوضاع الحالية التي تمر بها المنطقة بشكل عام، واليمن بشكل خاص، تبرز الحاجة إلى أن تكون السلطة الشرعية أكثر يقظة وإدراكًا لطبيعة المرحلة.
فاليمن تعيش حالة حرب مستمرة منذ العام 2015، وحتى اللحظة الراهنة، وما شهدته من هدوء بين فترة وأخرى لا يعني أن الحرب انتهت أو أنها لن تعود. ومن يعتقد غير ذلك فهو واهم؛ لأن الحرب الجارية في اليمن مرتبطة بدوائر خارجية، تملي توجيهاتها وتحرك أذرعها متى شاءت، وتدفع بها إلى الحرب هنا أو هناك.
وهذا ما يُلحظ حاليًا، حيث تقوم هذه الميليشيات بالتوسع والتمرد باتجاه المناطق الغربية الجنوبية، بعد دخولها المخا وباب المندب، والتوجه نحو مناطق ومديريات محافظة تعز الأخرى.
وتدور هناك معارك ضارية في جبهات الكدحة، بني عمر جرداد، الوازعية، العلقمة، راسن، كهبوب، رأس العارة، المضاربة، الأحكوم، حيفان، سامع، الحوبان، خط السبعين، وغيرها.
وفي الوقت الذي تبدو فيه جبهات أخرى «محلك سر»، كان يفترض بالسلطة الشرعية، بأجهزتها المعنية، أن تتحرك بصورة عاجلة، وأن تفتح مختلف الجبهات وتفرض تضييقًا على تلك القوة الظلامية التي تسعى إلى السيطرة على تعز ومناطقها.
فالمرحلة تفرض التعبئة والنفير العام، لا الاكتفاء بالبيانات والمواقف. وكان يفترض أن تكون مختلف أطر وأجهزة السلطة في حالة جاهزية كاملة، حتى لا تُترك تعز وحدها في ميدان المواجهة.
وما يُلحظ اليوم أن من يدافعون عن حياض هذه المدينة ومناطقها هم الجنود البواسل، إلى جانب عناصر المقاومة الشعبية والمواطنين الذين يستشعرون مسؤوليتهم تجاه مناطقهم.
وكان يتوجب على الجهات المعنية أن تعزز هذه الجبهات بكل الإمكانيات اللازمة، خصوصًا في مناطق بني عمر جرداد وغيرها، إلا أن ما يصل إلى عدد من تلك الجبهات لا يفي بالمطلوب، بل إن هناك مناطق لا يصل إليها أي دعم.
حرب.. وتعيينات
وفي ظل هذه الظروف، يبرز سؤال أكثر إلحاحًا: كيف تكون الأولوية للتعيينات بينما الوطن يعيش حربًا مفتوحة؟
فإذا كان الوطن يواجه هذه المرحلة الحرجة، ويحتاج إلى كل إمكانياته لتحصين جبهاته ومؤسساته، فما الحاجة إلى التوسع في تعيين سفراء ووزراء ومدراء داخل الوطن وخارجه؟
إن الأولوية في زمن الحرب ليست لشغل المناصب وتوزيع التعيينات، وإنما لتوفير متطلبات المواجهة، وحماية ما تبقى من مؤسسات الدولة، وتوجيه الموارد نحو ما يخدم المواطن والجبهات. أما الاستمرار في التعيينات في ظل هذه الظروف، فإنه يطرح علامات استفهام جدية حول أولويات السلطة، فضلًا عن مدى انسجام ذلك مع الدستور والقانون.
حكومة.. وسفارات
الأمر ذاته ينطبق على السفارات والبعثات الدبلوماسية والعاملين فيها. فاليمن، وهي تعاني الحرب والانهيار الاقتصادي وتفاقم الأعباء، بحاجة إلى مراجعة شاملة لحجم إنفاقها الخارجي، ومدى الجدوى التي تحققها هذه التمثيلات.
فما الذي قدمته هذه الحكومات المتعاقبة، عبر هذا العدد الكبير من السفارات والبعثات والعاملين فيها، مقارنة بما تتحمله الدولة من رواتب ومصاريف ونثريات، بعضها يُدفع بالدولار شهريًا؟
المشكلة ليست في وجود التمثيل الدبلوماسي بحد ذاته، وإنما في تضخم عدد التمثيلات والموظفين، وتحول ذلك إلى أعباء إضافية على دولة تعاني أصلًا من شح الموارد، وهو ما يفتح الباب أمام بؤر جديدة للفساد والهدر.
عدد التمثيلات لليمن
وعلى هذا السياق، يمكن القول إن عدد السفارات والقنصليات والتمثيلات اليمنية خارج الوطن يصل إلى 72 تمثيلًا دبلوماسيًا، منها 47 سفارة، و22 قنصلية، و3 بعثات وتمثيلات أخرى.
عدد الموظفين
أما عدد الموظفين في هذه التمثيلات الدبلوماسية، فلا يوجد عدد محدد أو معروف حتى الآن، وإنما، كتخمينات، ربما يصل إلى آلاف الموظفين في السلك الدبلوماسي اليمني، فضلًا عن ما يتقاضونه من رواتب بالدولار والنثريات والمزايا الأخرى.
وهنا يبرز السؤال الأهم: ما الذي تقدمه كل هذه التمثيلات بهذا الحجم للدولة والمواطن؟
كان يكفي أن يكون لليمن تمثيل دبلوماسي يتناسب مع احتياجاتها وإمكانياتها، لا هذا العدد الكبير من التمثيلات والموظفين، في وقت يعيش فيه الموظف داخل الوطن على الكفاف، ويعاني المواطن من الفقر والعوز.
فأي معايير هذه التي تجعل الدولة قادرة على تحمل نفقات الخارج، بينما تعجز عن توفير الحد الأدنى من احتياجات الداخل؟
في زمن الحرب، يجب أن تكون الأولوية واضحة: الجبهات، والجيش، والمواطن، والخدمات، وحماية ما تبقى من مؤسسات الدولة؛ لا التوسع في التعيينات، ولا تضخيم الإنفاق الخارجي.