لم تكن مسألة عدم دعوتنا لحضور اللقاء الموسع الذي ترأسه محافظ محافظة شبوة، عوض محمد بن الوزير، مجرد تفصيل عابر أو غياب اسم من قائمة المدعوين، بل إن الأمر يحمل دلالات تستحق التوقف أمامها، خصوصاً أن هذا التجاهل ليس الأول، وإنما تكرر في مناسبات ولقاءات عديدة.
والأكثر أهمية أن هذا اللقاء جاء في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لنا، ونحن نخوض معركة قضائية في قضية نشر، ونمثل أمام القضاء على خلفية ممارستنا لعملنا الصحفي، في وقت تعيش فيه محافظة شبوة، وفق ما نلمسه من واقع الممارسة الصحفية وما نواجهه من تحديات، مرحلة بالغة الصعوبة فيما يتعلق بحرية الصحافة والتعبير، وما يرافق ذلك من مخاوف وتساؤلات حول مساحة الرأي المستقل وحق الصحفي في النقد والنشر.
لقد كان هذا اللقاء فرصة مهمة، بل ربما من أهم الفرص، لطرح معاناة الصحفيين المستقلين، ومناقشة ما يواجهونه من إشكاليات وتحديات، ووضع قيادة السلطة المحلية أمام صورة حقيقية لما يعانيه الوسط الصحفي والإعلامي، بعيداً عن التقارير المنمقة والخطابات التي لا تعكس بالضرورة واقع الميدان.
وكان من حقنا، باعتبارنا صحفيين أمضينا أكثر من ثلاثة عقود في هذه المهنة، أن نكون حاضرين لنعرض وجهة نظرنا، ونطرح تساؤلاتنا، ونتحدث عن قضيتنا ومعاناتنا، لا بحثاً عن امتياز أو مجاملة، وإنما انطلاقاً من حقنا المهني، وإيماناً بأن الصحافة شريك أساسي في تشخيص الاختلالات والمساهمة في معالجة القضايا التي تمس المجتمع.
والمفارقة اللافتة أن اللقاء الذي رُفعت فيه شعارات توحيد الصف، واحترام التعدد السياسي، والانفتاح على مختلف الأطياف والمكونات، جمع أطرافاً وخصوماً سياسيين للسلطة، بينما غاب عنه صوت صحفي مستقل لا يحمل مشروع خصومة مع أحد، وإنما يمارس حقه في نقل الحقيقة والتعبير عن الرأي ومساءلة المسؤولين.
وهنا يبرز سؤال لا بد من طرحه بشفافية: إذا كانت السلطة المحلية جادة في توسيع قاعدة الشراكة والاستماع إلى مختلف الآراء، فلماذا لا تجد الصحافة المستقلة مكاناً لها على طاولة الحوار؟ ولماذا يُترك الصحفي الذي يواجه قضية نشر خارج لقاء كان من المفترض أن يكون منبراً للاستماع إلى هموم الجميع؟
هل أصبحت الصحافة المستقلة غير مرحب بها لأنها لا تجيد المجاملة؟ وهل أصبح النقد المهني سبباً كافياً لتغييب الصحفي وإبعاده عن دوائر الحوار؟ أم أن مفهوم الشراكة والانفتاح لا يزال محكوماً بحسابات لا تتسع لكل الأصوات؟
نحن لا نتهم أحداً دون دليل، ولا نجزم بأن وراء هذا التجاهل قراراً متعمداً، لكن تكرار الإقصاء يضع علامات استفهام مشروعة، ويستدعي من قيادة السلطة المحلية توضيحاً ومراجعة لهذه الممارسات.
نؤكد أننا لسنا طلاب دعوات، ولا نبحث عن مقاعد في مجالس المسؤولين، ولم تكن الصحافة بالنسبة لنا طوال أكثر من ثلاثين عاماً طريقاً إلى التقرب من السلطة أو الحصول على رضا أصحاب القرار. لقد اخترنا هذه المهنة ونحن ندرك أن استقلال القلم له ثمن، وأن قول الحقيقة قد لا يرضي الجميع.
لكننا نرفض أن تتحول الاختلافات في الرأي إلى مبرر للإقصاء، وأن يُنظر إلى الصحفي المستقل باعتباره خصماً لمجرد أنه يمارس دوره الرقابي والنقدي.
فالصحفي ليس موظف علاقات عامة لدى السلطة، وليس مطلوباً منه أن يصفق حتى يُسمح له بالحضور، ولا أن يصمت حتى يصبح مرحباً به.
إن حرية الصحافة لا تُقاس بعدد البيانات التي تتحدث عنها، ولا بالشعارات التي تُرفع في اللقاءات، وإنما بمدى قدرة الصحفي على النشر والنقد والسؤال، وبمدى استعداد المسؤول للاستماع إلى الرأي المخالف، حتى وإن كان قاسياً أو غير مريح.
وإذا كان اللقاء قد ناقش توحيد الصف وتعزيز الشراكة ودعم التنمية، فإننا نعتقد أن من أهم متطلبات هذه الشراكة أن تكون حرية الصحافة والتعبير حاضرة في صدارة النقاش، وأن يُفتح الباب أمام الصحفيين لعرض قضاياهم، لا أن يُتركوا خارج المشهد بينما تُناقش قضايا المحافظة ومستقبلها.
لسنا ضد السلطة، ولسنا خصوماً للمحافظ، لكننا لسنا تابعين لأحد. نحن مع الحقيقة، ومع حق الناس في المعرفة، ومع صحافة حرة لا تخضع للمجاملة أو الإملاءات.
ثلاثة عقود وأكثر من العمل الصحفي لم تجعلنا نساوم على استقلال أقلامنا، ولن تجعلنا دعوة غائبة أو لقاء مستثنى نراجع قناعتنا برسالة المهنة.
قد لا نجد مقعداً على طاولة بعض الاجتماعات، لكننا سنظل نحتفظ بمقعدنا في ميدان الكلمة والحقيقة، وهو المقعد الذي لم تمنحه لنا سلطة، ولن يستطيع أحد أن ينتزعه منا.
فليس الخطر أن يُستبعد صحفي من اجتماع، وإنما الخطر أن تصبح الصحافة المستقلة خارج حسابات السلطة، وأن تتحول شعارات الانفتاح والشراكة إلى أبواب لا تُفتح إلا للأصوات التي لا تزعج أصحاب القرار.
والسؤال الذي نتركه أمام قيادة محافظة شبوة: هل تتسع الشراكة التي تتحدثون عنها للصحفي الذي ينتقدكم، ويسائلكم، ويختلف معكم، أم أنها تتسع فقط لمن يوافقكم الرأي؟
الصحفي صالح حقروص
2026/11/8م