شبوة بين تعدد المكونات ومشروع القبضة الحديدية.. من يحمي المحافظة ومن يسعى إلى امتلاك قرارها؟

قبل 16 دقيقة


يسلم الحفشاء
بقلم: يسلم الحفشاء
ارشيف الكاتب

مرة أخرى، تطالعنا شبوة ببيان جديد، واجتماع جديد، ومكونات جديدة، ووجوه تتصدر المشهد السياسي تحت عناوين عريضة تتحدث عن حماية المحافظة، والحفاظ على أمنها واستقرارها، ومواجهة التحديات التي تحيط بها من كل اتجاه. وهذه المرة جاء الاجتماع بحضور محافظ المحافظة الشيخ عوض محمد بن الوزير، ليخرج ببيان طويل يحمل الكثير من العبارات والشعارات التي اعتدنا سماعها في كل مرحلة، حتى بات المواطن الشبواني يتساءل: ما الذي تغير في واقع شبوة؟ ومن المستفيد الحقيقي من كل هذه الاجتماعات والتكتلات والتجمعات؟


إن القضية التي تستحق التوقف أمامها ليست مجرد انعقاد اجتماع أو صدور بيان سياسي، فحق أبناء شبوة في الاجتماع والتشاور والتعبير عن مواقفهم حق مشروع، وإنما السؤال الحقيقي يتعلق بالهدف السياسي من وراء هذا التكرار المستمر لتشكيل المكونات والتجمعات، وجمع الأنصار من مختلف المديريات، وإعادة ترتيب المشهد المحلي بطريقة تجعل السلطة ومفاتيح القرار محصورة في دائرة سياسية ضيقة تدور حول المحافظ ومقربيه وحلفائه.


فمنذ وصول الشيخ عوض بن الوزير إلى قيادة المحافظة، لم تتوقف عملية صناعة الأطر والتكتلات السياسية والاجتماعية، وكان من أبرزها مؤتمر شبوة الشامل، إلى جانب تجمعات ومكونات أخرى ظهرت تباعاً، وكلها ترفع عناوين تمثيل شبوة والدفاع عن مصالحها.

لكن من حق المواطن أن يسأل: هل أصبحت شبوة بحاجة إلى هذا العدد من المكونات حتى تُحمى؟ أم أن المحافظة بحاجة إلى مؤسسات دولة حقيقية، ومشاركة سياسية عادلة، ورقابة على المال العام، وتوزيع منصف للثروة والسلطة؟


إن المتابع لمسار الأحداث لا يستطيع أن يفصل المشهد الحالي عن المراحل التي سبقته، ومنها مهرجان الوطاة الذي ارتبط بالصراع السياسي الذي انتهى بإزاحة المحافظ السابق محمد صالح بن عديو. ومنذ تلك المرحلة، توالت التحولات والتحالفات وإعادة تشكيل موازين القوى، حتى أصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت هذه التحركات المتتابعة تهدف إلى بناء شراكة سياسية حقيقية، أم إلى تكريس نفوذ سياسي طويل الأمد يضمن بقاء السلطة في يد دائرة محددة.


والمثير للاستغراب أن المواطن الشبواني يجد نفسه أمام مشهد يتكرر كل فترة؛ اجتماع هنا، ومكون هناك، ومؤتمر في مكان آخر، وبيان جديد يحمل شعارات الدفاع عن شبوة، وكأن المحافظة لا يمكن أن تستقر إلا من خلال هذه التجمعات التي تتوالد باستمرار.


والأكثر إثارة للتساؤل هو التركيز على استقطاب شخصيات وقيادات من مختلف المديريات، ومن بينها شخصيات وقواعد سياسية تنتمي إلى المؤتمر الشعبي العام، بما فيها بقايا النظام السياسي السابق، في محاولة لتوسيع دائرة الحضور والنفوذ السياسي.

وهنا لا نعترض على حق أي مواطن في الانضمام إلى أي مكون، وإنما نعترض على تحويل التنوع السياسي والاجتماعي إلى وسيلة لحشد الولاءات وتثبيت مراكز النفوذ، بدلاً من بناء مؤسسات تتسع لجميع أبناء المحافظة دون تمييز أو إقصاء.


-شبوة ليست مملكة لأحد.. ولا سلطنة لعائلة أو جماعة-


إن شبوة، بتاريخها القبلي والاجتماعي والسياسي، وبما تمتلكه من ثروات وموقع استراتيجي، ليست ملكاً لمحافظ، ولا لمكون سياسي، ولا لجماعة أو تحالف، وليست أرضاً يمكن أن تُدار بمنطق الولاءات والأنصار. إنها محافظة لكل أبنائها، ومن حق جميع مديرياتها ومناطقها وشخصياتها الاجتماعية والسياسية أن تكون شريكة في القرار والثروة والإدارة.


وإذا كان الهدف المعلن هو حماية شبوة من التحديات الخارجية، فإننا نتساءل: لماذا تتحول هذه التحديات في كثير من الأحيان إلى مبرر لمزيد من الاصطفافات السياسية وحشد الأنصار؟ ولماذا لا تكون المواجهة الحقيقية من خلال مؤسسات أمنية وعسكرية ومؤسسات دولة مستقلة، بدلاً من تكريس المشهد السياسي حول شخصيات ومكونات بعينها؟


وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: إذا كانت هناك استهدافات خارجية حقيقية تستهدف شبوة وثرواتها وقرارها، فلماذا يكون المواطن البسيط هو الحلقة الأضعف دائماً؟ ولماذا يتحمل أبناء المحافظة تبعات الصراعات والضغوط، بينما تظل الأسئلة المتعلقة بإدارة الموارد والعقود والإيرادات والصفقات بعيدة عن النقاش العام بالقدر الكافي؟


إن الدفاع عن شبوة لا يكون بتخويف أبنائها من الخارج، ولا بتصوير كل من يختلف مع السلطة على أنه خصم للمحافظة، ولا بجمع المواطنين تحت شعارات وطنية ثم مطالبتهم بالصمت أمام الأسئلة المشروعة. فالمواطن الذي يسأل عن مصير الثروة ليس عدواً لشبوة، والذي يطالب بالشفافية ليس متآمراً، والذي ينتقد أداء السلطة لا ينتقص من مكانة المحافظة، بل يمارس حقه في الرقابة والمساءلة.


-ثروات شبوة.. السؤال الذي لا تجيب عنه البيانات-


إن جوهر القضية التي ينبغي أن تشغل أبناء شبوة ليس عدد المكونات التي تتشكل، ولا طول البيانات التي تصدر، وإنما مصير الثروات النفطية والغازية والسمكية، وحجم الإيرادات التي تدخل خزينة الدولة، ونصيب المحافظة من عائدات مواردها، ومدى انعكاس هذه الثروات على حياة المواطنين.


فشبوة التي تمتلك النفط والغاز والموانئ والمنشآت الحيوية والسواحل والثروات السمكية، ما زال كثير من أبنائها يعانون من تردي الخدمات، وانقطاع الكهرباء، وضعف البنية التحتية، وغياب فرص العمل، وتراجع الأوضاع المعيشية.


فأين تذهب عائدات هذه الثروات؟ ومن يراقب العقود والاتفاقيات؟ وما نصيب أبناء شبوة من الوظائف والمشاريع والاستثمارات؟ وما الضمانات التي تمنع استغلال حاجة المحافظة وظروفها الاقتصادية في تمرير ترتيبات لا تحقق مصالح سكانها؟


ثروات شبوة لا يمكن التفريط بها لمصلحة قوى خارجية ، فنحن بحاجة ملحة إلى رقابة مستقلة ومحاسبة حقيقية، حتى لا تبقى ثروات المحافظة مادة للصراع السياسي ومصدراً لنفوذ المتنفذين.


-كفى شعارات.. شبوة بحاجة إلى دولة لا إلى مكونات جديدة-


إننا لا نحتاج في شبوة إلى مزيد من المؤتمرات والتجمعات التي تنتهي ببيانات إنشائية، بقدر حاجتنا إلى سلطة محلية تعمل من أجل جميع المواطنين، وإلى مؤسسات تحترم القانون، وإلى عدالة في توزيع المشاريع والخدمات والوظائف، وإلى شفافية في إدارة الإيرادات والثروات.


كما أن أبناء المديريات النائية والمناطق المحرومة لا يريدون أن يكونوا مجرد أرقام في قوائم الحضور، أو أصواتاً تستدعى عند الحاجة إلى الحشد والتأييد، ثم تُترك قضاياهم ومعاناتهم دون حلول. إنهم يريدون نصيبهم العادل من التنمية والقرار، ويريدون أن يروا أثر ثروات محافظتهم في مدارسهم ومستشفياتهم وطرقهم وكهربائهم وفرص عمل أبنائهم.


وإذا كان المحافظ الشيخ عوض بن الوزير يريد أن يترك بصمة تاريخية في شبوة، فإن الطريق إلى ذلك لا يكون بتكاثر المكونات والتكتلات، ولا بتوسيع دائرة الموالين، وإنما ببناء مؤسسات قوية، وفتح المجال أمام النقد والمساءلة، واحترام التعدد السياسي والاجتماعي، وضمان ألا تتحول السلطة إلى ملكية سياسية مغلقة.


-كلمة أخيرة:-


نقولها بوضوح: شبوة ليست غنيمة سياسية، وليست مشروعاً خاصاً بأحد، ولن تكون مملكة أو سلطنة أو إقطاعية تُدار وفق رغبات مجموعة من المتنفذين.

شبوة أكبر من الأشخاص والمكونات والتحالفات، وأكبر من كل محاولات احتكار قرارها أو اختزال إرادة أبنائها في اجتماع أو بيان.


ومن حق أبناء شبوة أن يسألوا، ومن واجب السلطة أن تجيب، لا بالشعارات ولا بالبيانات الطويلة، وإنما بالأرقام والحقائق والإنجازات.


فمن يريد حماية شبوة فليحمي ثرواتها من العبث، وليكشف للرأي العام حقيقة إيراداتها وعقودها، وليوفر الخدمات لأبنائها، وليمنح مديرياتها حقها في التنمية والقرار، وليترك المجال أمام جميع أبنائها للمشاركة دون إقصاء أو تخوين.


أما أن يتحول كل اجتماع إلى مناسبة جديدة لتجديد الولاءات، وكل بيان إلى عنوان جديد لتكريس النفوذ، فذلك لن يصنع دولة، ولن يحمي محافظة، ولن يقنع مواطناً أنه يعيش في ظل إدارة تعمل من أجله.


شبوة ليست ملكاً لمن يحكمها اليوم، وإنما أمانة في أعناق كل من يتولى مسؤوليتها، والتاريخ لا يحفظ عدد المكونات التي أُنشئت، بل يحفظ ما قدمه المسؤولون لأبناء المحافظة وما تركوه من عدالة وتنمية وكرامة.