قبل عامين، ودّع الأستاذ جمال القحطاني ابنه البكر محمد شهيداً، فما زادته الفاجعة إلا صلابة وإيماناً. واليوم، في جبهات العزة بمأرب، يلحق به الأب شهيداً دفاعاً عن الدين والجمهورية، ضمن عملية «فجر اليمن». ولد الراحل في مديرية يريم بمحافظة إب، وحين داهم الوطن ليل الانقلاب الحوثي المشؤوم على الدولة، اختار ألا ينحني، فارتحل مقاومًا حاملاً مبادئه وقضيته نحو مأرب الأبيّة. وبين رحيل ابنه واستشهاده، لم يتوقف الرجل عن أداء رسالته النبيلة؛ يعلّم الأطفال تاريخ اليمن، ورسم خرائط الوطن على جدران المدارس، مدافعاً عن حياض الوطن بالكلمة والسلاح، حتى صار اسمه جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة الأجيال التي ربّاها.
لم يكن الراحل مجرد معلّم لمادة الاجتماعيات ينقل المعلومة، بل كان حارساً للهوية؛ يشرح لطلابه التاريخ اليمني والإسلامي، ويدرّسهم الحدود الجغرافية للوطن العربي الكبير غارساً في نفوسهم الاعتزاز والانتماء. وقد جمع بين الدعوة والجهاد، وضابطاً مرابطا في الجيش الوطني، مؤمناً بأن الدفاع عن الجمهورية يحتاج إلى يد تحمل القلم وأخرى تمسك بالزناد، وبأن التربية سلاح لا يقل شأناً عن الرصاصة.
وحين أقترب من ذاكرتي وأستحضر أيامه، إذ عرفته عن قرب خلال تدريسي في مدارس الصدارة بمأرب، أجده نعم الأخ والزميل. كان شديد الاهتمام بروح المدرسة وبنائها الوجداني، يملأ الجدران باللوحات التاريخية وخرائط اليمن وخرائط الخلافات الإسلامية، ويعلّق لوحات أهداف ثورة 26 سبتمبر، وكأنه كان يدرك أنه يصنع من كل جدار صفحة مضيئة من كتاب الوطن الخالد. وهنا، فإنني أُعزي نفسي وجميع زملائي أعضاء هيئة التدريس بمدارس الصدارة الحديثة باستشهاده العظيم، مؤكدين جميعاً أننا على العهد ماضون، دروعاً للعلم والوطن، حتى يرفرف العلم الجمهوري ساطعاً في كل أرض اليمن.
لقد ترك الأستاذ جمال أثراً عميقاً لا يُحسَب بسنين العمر، بل بحجم العطاء وخسارة الفقد. كان جمالاً في الأخلاق، جمالاً في القيم، جمالاً في كل الصفات؛ نعم إنه قحطاني أصيل. وتكتمل ملحمة هذه العائلة الأبيّة بأن يلحق الأب بابنه شهيداً في ميادين الشرف، لتغدو أسرة القحطاني مثالاً حيّاً للتضحية والفداء.
نلفت إلى موقفنا الثابت في إدانة المليشيات الحوثية الإرهابية التي استهدفت التربوي القحطاني، ونضع هذه الأبيات إكليلاً على جبين طهره:
يا هادم الصرح العظيم بجهله
إن العقول تهاب لا الجدران
قصفت مدرسا وشيخاً فاضلاً
باع الحياة لينصت الفتيان
ظن الرصاص بأن يميت منابراً
والحرف نور، والظلام جبان
يا حامل الأقلام جرحك مفخر
بدمائكم تستنهض الأوطان
مات الطغاة وباد كل مخرب
وبقيت أنت، وتاريخك العنوان
ونتقدم بأصدق التعازي والمواساة إلى أبنائه الأطهار: مشعل، وصديق، ومنذر. سائلين الله أن يتغمد والدهم بواسع رحمته، وعظّم الله أجركم وأحسن عزاءكم. واعلموا أن والدكم كان فخوراً بكم دوماً، متابعاً لخطاكم، يعلّق عليكم الآمال الكبار.
رحل الأستاذ جمال القحطاني جسداً، لكنه باقٍ في كل طالب علّمه، وفي كل جدار زيّنه، وفي كل قصيدة خطّها دفاعاً عن الجمهورية. لقد علّمنا أن المعلّم الحقيقي لا يموت، وأن دماء الشهداء تُنبت في الأرض حروفاً لا تقرأ إلا بالأصالة والوفاء.
رحم الله جمال القحطاني، وتقبّله في عليين، وألهم أهله وطلابه وزملاءه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.