بقلم: محمد علي محمد أحمد
بينما يصارع المواطن اليمني الموت تحت وطأة الجوع والمرض وانقطاع الرواتب، وتئن الملايين تحت خط الفقر المدقِع، تستمر مهزلة "تجارة الأزمات" عبر مؤتمرات الرفاهية والسفر الفاخر التي تخرج علينا من خلف الجدران الزجاجية في العواصم الأوروبية.
وكان أحدث فصول هذه المسرحيات السمجة ما يُسمى بـ "ميثاق الشرف القبلي لحماية المدنيين" الذي أُقيم مؤخراً في قصر الأمم بمدينة جنيف السويسرية، برعاية وتمويل من وزارتي الخارجية السويسرية والهولندية وإشراف مركز "ديكاف".
إن هذا البذخ الاستعراضي الممول بأموال المانحين لا يُعدو كونه استفزازاً صارخاً لكرامة شعب عانى طويلاً، حيث تُصرف ميزانيات ضخمة على تذاكر الطيران الفاخرة والإقامات في فنادق جنيف الخمس نجوم وقاعاتها الوثيرة، في وقت ترتفع فيه معدلات سوء التغذية بين الأطفال وتفشل المستشفيات المحلية في توفير أبسط الأدوية المنقذة للحياة، وكأن معاناة الإنسان اليمني تحولت إلى سلعة رخيصة في مزاد المنظمات الدولية والمتاجرة الرخيصة تحت مبررات "بناء السلام" الفارغة.
وما يزيد من حدة السخرية والمرارة هو محاولة استنساخ وتصدير أعراف قبلية مستوردة عبر مكاتب جنيف لتُفرض على القبيلة اليمنية، وكأن نسيجنا الاجتماعي وتاريخنا العريق الذي أنجب أسلافاً وأعرافاً صارمة تحمي المظلوم وتصون الدخيل بات بحاجة لدروس في الشرف والحماية تُلقى عليهم من سويسرا.
والأدهى من ذلك وأمّ الكوارث أن من تم استدعاؤهم وتصديرهم لتمثيل هذا النسيج لا يمثلون سوى أنفسهم ومصالحهم الضيقة، بل إن صحيفة بعضهم تكاد تكون معدومة الشرف والقبول الشعبي.
إنها مسخرة حقيقية وحالة من الاستخفاف بعقول شعب أبيّ يراقب بألم كيف تُهدر أموال الإغاثة والدعم على حفلات "البرستيج" وورش العمل الشكلية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بل لا تخدم سوى كتابة تقارير نجاح وهمية لمنتفعين يعيشون على وجع الناس.
فإلى متى ستظل مآسي اليمن مطيةً للارتزاق، وهل أفلست الإنسانية لدرجة تباع فيها دماء الأبرياء مقابل صور تذكارية في قاعات الأمم المتحدة؟