حين تكون المبادئ أكبر من الانتماءات، وتكون مصلحة الوطن فوق جميع الأطراف!

قبل 51 دقيقة


أكرم القعيطي
بقلم: أكرم القعيطي
ارشيف الكاتب

في ظل تعدد القوى السياسية والعسكرية واختلاف مشاريعها وتحالفاتها، يجد الإنسان صاحب الموقف المستقل نفسه أمام واقع معقد، يتفق فيه مع بعض الأطراف في قضايا معينة، ويختلف معها في قضايا أخرى، دون أن يعني ذلك تناقضًا في مواقفه أو تخليًا عن مبادئه.


فقد تتفق مع السلفيين عسكريًا في مواجهة الحوثي، وتقدر تضحياتهم وثباتهم في الجبهات، لكنك لا تجد لديهم مشروعًا سياسيًا واضحًا يتوافق مع تطلعاتك في استقلال الجنوب.


وتتفق مع المجلس الانتقالي والإمارات سياسيًا في دعم قضية الجنوب واستعادة دولته، لكنك تختلف مع المجلس الانتقالي في ممارساته الخاطئة في الإدارة، والتمييز المناطقي في توزيع المناصب، واحتكار تمثيل الجنوب وكأن الوطن ملك لفصيل دون بقية الجنوبيين، فضلًا عن ملف السجون والاعتقالات خارج إطار القانون، وترى أن الإمارات تتحمل مسؤولية سياسية عن دعمها للانتقالي واستمرار هذا النهج.


وفي المقابل، تختلف مع حزب الإصلاح ومشروعه السياسي الذي يتعارض مع مشروع استقلال الجنوب، كما تنتقد انسحاب قواته من اغلب الجبهات بدلًا من الثبات في مواجهة الحوثي، وتختلف مع السعودية في سياساتها تجاه القضية الجنوبية، وما تراه محاولات مستمرة لتجريف وإضعاف هذه القضية وإنهائها.


وتزداد المسألة تعقيدًا عندما تجد أن الانتقالي والإمارات يختلفان مع السعودية والإصلاح، بينما السلفيون أنفسهم منقسمون في مواقفهم وتحالفاتهم بين هذا الطرف وذاك.


وهنا تجد نفسك في المنتصف، لا لأنك متردد أو متناقض، وإنما لأنك تتفق مع كل طرف فيما تراه صوابًا وتختلف معه فيما تراه خطأً.


فإذا أشدت بالسلفيين وثباتهم في الجبهات ظنك البعض محسوبًا عليهم سلفي،وإذا انكرت عليهم عدم وجود نشروع سياسي واستغلال الاصلاح لانتصاراتهم اتهموك انك حوثي وإذا أيدت الانتقالي والإمارات في موقفهما من استقلال الجنوب اتهمك آخرون بأنك انتقالي، وإذا انتقدت احتكار السلطة والتمييز المناطقي والاعتقالات خارج القانون غضب منك مؤيدوهما واتهموك بأنك اصلاحي ومن حزب البناكس، وإذا انتقدت السعودية والإصلاح واستماتتهم لفرض الوحده بالقوه اعتبرك أنصارهما خصمًا لهم واتهموك بأنك «عيدروسي»!


والغريب أن كل طرف يريد منك أن تؤيده في كل شيء، وكأن الاتفاق معه في قضية يلزمك بالصمت عن أخطائه، وكأن الاختلاف معه في قضية أخرى يعني أنك أصبحت عدوًا له!


فهل المشكلة في الشخص الذي له رأي مستقل، أم في الأطراف التي تريد منك أن تكون معها في كل شيء أو ضدها في كل شيء؟


أنا واعوذ بالله من كلمة انا مع من يقاتل الحوثي ويدافع عن أرض الجنوب، وأقدر تضحياته وثباته في الجبهات، لكن هذا لا يعني أنني أتفق معه سياسيًا، أو أن القتال وحده يعطيه الحق في فرض رأيه الوحدوي على بقية الجنوبيين.


وأنا مع من يدعم استقلال الجنوب واستعادة دولته، لكنني أرفض احتكار السلطة والمناصب والقرار السياسي، أو التعامل مع الجنوب وكأنه ملك لحزب أو منطقة أو جماعة دون غيرها لأن كل الجنوبيين شركاء في وطنهم.


كما أنني أرفض أي مشروع سياسي يسعى إلى إبقاء الجنوب في وحدة لا يريدها شعبه، وأرفض أن تستغل أي دولة دعمها لنا لفرض قراراتها ووصايتها علينا، أو أن تتدخل في مستقبل الجنوب بما يخدم مصالحها على حساب مصلحة شعبنا.


فالجنوب وطن لجميع أبنائه، وليس ملكًا لحزب أو جماعة، ولا تابعًا لأي دولة، ومن حق كل جنوبي أن يشارك في بناء وطنه وتقرير مصيره دون إقصاء أو تمييز.


أحترم من يقاتل الحوثي، لكنني لست ملزمًا بتأييد مشروعه السياسي، وأشكر من يدعم استقلال الجنوب، لكنني لست ملزمًا بالسكوت عن أخطائه، وأحترم من يختلف معي، لكنني أرفض أن يفرض عليّ مشروعًا ووصاية لا أؤمن به.


فليس كل من يقاتل الحوثي نتفق معه سياسيًا، وليس كل من يدعم استقلال الجنوب نوافق على جميع تصرفاته، وليس كل من يقدم لنا الدعم يحق له أن يتحكم بمصيرنا ويكون وصي علينا.


أنا لا أبحث عن طرف أتفق معه في كل شيء، وإنما أقف مع الحق والموقف الصحيح مهما كان صاحبه، وأنتقد الباطل والخطأ مهما كان مصدره.


ومن لا يفهم هذا الموقف، فالمشكلة ليست في تناقض آرائي، وإنما في اعتقاده أنك إما أن تؤيد طرفًا في كل شيء، أو تعاديه في كل شيء!


موقفي واضح: مصلحة الجنوب وشعبه فوق الأحزاب والجماعات والدول، أتفق مع كل طرف فيما يخدم الجنوب، وأختلف معه فيما يضر الجنوب، دون أن أكون تابعًا لأحد أو خصمًا لأحد لمجرد الاختلاف معه.