أزمة السفارة اليمنية في القاهرة إنذار لا يجوز تجاهله

قبل ساعة


عادل الشجاع
بقلم: عادل الشجاع
ارشيف الكاتب

لم تعد الأزمة اليمنية محصورة في جبهات القتال، أو أروقة السياسة، أو صراعات مراكز النفوذ في الداخل. لقد امتدت تداعياتها إلى المؤسسات التي كان يفترض أن تكون بمنأى عن فوضى الانقسام، وفي مقدمتها البعثات الدبلوماسية التي تمثل الدولة في الخارج، وتحمل على عاتقها مسؤولية الدفاع عن قضيتها الوطنية، وإيصال مظلومية شعبها، والتحدث باسم اليمنيين بصوت واحد أمام العالم..


فالسفارة ليست ساحة لتصفية الحسابات، ولا ميدانا لفرض النفوذ الشخصي، ولا مساحة تتقدم فيها الخصومات على مقتضيات الوظيفة العامة. إنها واجهة الدولة، وعنوان حضورها السيادي، ومؤسسة يفترض أن تتجسد فيها قيم الانضباط والاحتراف واحترام القانون. وعندما تصل الخلافات داخلها إلى مستوى الاشتباك الجسدي، فإن السؤال لا يعود متعلقا بمن بدأ المشادة أو بمن انتصر فيها، بل بكيفية وصول مؤسسة رسمية إلى هذا المستوى من الانفلات، وأين كانت الإدارة التي يفترض أن تمنع حدوثه، وأين الوزارة المسؤولة عن ضبط الأداء ومراقبة الالتزام بالتسلسل الإداري والقانوني..


لقد حذرنا مرارا من الاختلالات التي تعاني منها مؤسسات الشرعية، ومن مخاطر ترك الخلافات الإدارية والسياسية تتضخم حتى تتحول إلى أزمات مفتوحة. وما يجري اليوم في بعض البعثات الدبلوماسية يعيد طرح تلك التحذيرات بصورة أكثر إلحاحا، لأن الدبلوماسية، بحكم طبيعتها، يفترض أن تكون إحدى أكثر مؤسسات الدولة قدرة على الانضباط والعمل المؤسسي، لا أن تصبح امتدادا لصراعاتها الداخلية..


وزارة الخارجية.. أين دورها في احتواء الأزمة؟


إن مسؤولية الوزارة لا تبدأ بعد وقوع الحوادث، بل تسبقها من خلال وضوح القرارات، وسلامة إجراءات التعيين والتكليف، وتحديد الاختصاصات، ومتابعة الأداء، والتدخل المبكر لمعالجة النزاعات. كما لا تنتهي بإصدار بيان أو تشكيل لجنة، وإنما تتطلب إجراءات عملية تضمن عدم تكرار الأخطاء، وتعيد الاعتبار للقانون والمؤسسة..


السفارات ليست غنائم ولا مناصب للنفوذ


فالسفارة ليست مكافأة سياسية، ولا موقعا لتثبيت النفوذ، ولا مساحة لتوزيع الامتيازات بين مراكز القوى. إنها مسؤولية عامة تتطلب خبرة مهنية، وقدرة على تمثيل الدولة، وفهما لمصالح اليمنيين، والتزاما صارما بقواعد العمل الدبلوماسي..


من يدافع عن مظلومية اليمنيين حين تنشغل السفارات بصراعاتها؟


إن الوظيفة الأساسية للبعثات اليمنية في الخارج تتجاوز المراسم والاجتماعات والتمثيل البروتوكولي. فهي معنية بالدفاع عن مصالح اليمن، وشرح تعقيدات أزمته، وإيصال معاناة شعبه إلى الحكومات والمنظمات الدولية، ومتابعة أوضاع المواطنين، وتقديم الخدمات القنصلية لهم، وبناء علاقات تخدم القضية الوطنية..


لقد دفعت اليمن أثمانا باهظة جراء الانقسام وضعف مؤسسات الدولة، ولا ينبغي أن يمتد ذلك إلى ما تبقى من أدوات حضورها في الخارج. فالسفارات ليست ملكا لأشخاص، ولا امتدادا لمراكز النفوذ، وإنما مؤسسات وطنية ينبغي أن تعمل وفق القانون، وبمرجعية واحدة، ولغاية واحدة..


فمن يعجز عن توحيد صوته داخل سفارته، كيف يستطيع أن يوصل صوت وطنه إلى العالم؟.


عادل الشجاع