د. علي العسلي
بحرقةٍ أكتب، لا بتشفٍّ ولا بمزايدة.
أنظر إلى بلادي جبل حبشي فيوجعني ما أرى. هذا الجبل كان من أوائل من واجه الحوثيين، وضيّق عليهم حتى تاهوا مشرّدين في الشعاب، لا يعرفون أين يسيرون، في الحقل والفحاف ويفرس عاصمة المديرية وغيرها. ثم خفت صوت الجبل فجأة، رغم ما فيه من رجال وأبطال ومشايخ وعقّال وعسكريين. فما الذي حدث؟ ولماذا خفت الصوت وكأن جبل حبشي خرج من المعادلة؟!
وفي المقابل يسطّر جبل صبر ملحمته قريةً قرية، وموقفًا بعد موقف. لا أغار منه، بل أفخر به. وكل ما أتمناه أن يلحق به أهلنا ليشاركوه هذا الشرف… ليس إلا.
يا جبل حبشي، يا توأم صبر، لا يليق بك أن تبقى متفرجًا، ولا أن تكتفي باستدعاء أمجاد الماضي. فالتاريخ لا ينتظر المتفرجين، ولا يخلّد الأعذار، وإنما يسجّل مواقف الرجال.
وليس العتب على جبل حبشي وحده. فالسؤال الأكبر موجّه إلى القيادة التي يُفترض أن تدير المعركة وتوحّد الصفوف. وقد عبّرت كلماتٌ وصلتني عن وجعٍ يتردد في صدور كثير من أبناء تعز:
«الشرعية يا بروف ليسوا على شيء… كأنه أعمى يقود أعمى! أم أن الهدف إسقاط تعز واليمن بكاملها؟!»
كلامٌ قاسٍ، لكنه يعكس شعورًا بغياب الرؤية، وتشتت الجهود، وتعطّل طاقات لا يجمعها هدف واضح.
وهنا بيت القصيد:
من يراهن على سقوط تعز، أو يوافق عليه، أو يتآمر، أو يغضّ الطرف، فليعلم أن تعز ستُسقطه، وستُسقط من يقف وراءه.
تعز ليست جغرافيا تُساوَم عليها في الغرف المغلقة. إنها جيشٌ ومقاومةٌ وحاضنةٌ شعبية، وناسٌ ذاقوا الحصار والتجويع والقصف والتعذيب، فصبروا وتحمّلوا ما لا تحمله الجبال. ومن ذاق كل هذا لا يستكين، ولا يُخدَّر بوعودٍ من هنا أو تفاهماتٍ من هناك.
ومن ظنّ أن طول المعاناة يكسر الإرادة، أو أن الصمت قبول، أو أن الانشغال بلقمة العيش تخلٍّ عن الأرض والكرامة، فهو لا يعرف تعز.
تعز لا تحتاج إلى من يختبر صبرها، بل إلى قيادةٍ تقدّر تضحياتها وتوحّد صفوفها. وتحتاج إلى أبناءٍ يدركون أن المعركة ليست مسؤولية منطقة دون أخرى، ولا بطولة قرية بمعزل عن أخواتها.
تعز لن تسقط… والساقط هو من راهن أو يراهن على سقوطها.