همدان العليي
صأثار مقال المفكر والإعلامي السعودي المعروف عبدالرحمن الراشد والذي كان بعنوان "لِمَ لا نتعامل مع الحوثي بدلاً من محاربته؟" جدلا واسعا في مواقع التواصل الاجتماعي وداخل الأوساط اليمنية تحديدا.
وهذا ليس غريبا، فنحن نتحدث عن مقال كتبه واحد من أبرز الإعلاميين المؤثرين والمعروفين ليس على المستوى السعودي فقط، بل على المستوى العربي. كما أن المقال يناقش واحدة من أهم القضايا المعاصرة، ويجيب على سؤال مهم يطرحه كثير من المتابعين للوضع في اليمن والسعودية.
رغم اتفاقي مع أغلب ما ورد في المقال، لكني أجدني بحاجة إلى توضيح مسألة هامة وخطيرة كوني أدعي فهم الطبيعة الفكرية السياسية والعقائدية الحوثية، فأنا من أبناء المناطق التي يتم وصفها بـ "الزيدية".
سنبدأ من حيث انتهى المقال.. أختلف مع أستاذنا العزيز في مسألة تفسير جذور المشكلة والمتعلقة بأيدولوجيا الجماعة. كيف يمكن فهم نوايا تنظيم عقائدي متطرف ومسلح دون دراسة الأيديولوجيا التي تحدد تصوره للسلطة والتعامل مع الناس؟ كيف يمكن التعايش معه وعقيدته أصلا تمنحه مبررات استخدام العنف وتحدد علاقته بالحاكم وبمن يعتبرهم مخالفين من عامة الناس؟!
سبق وأدركت الدول أن مواجهة تنظيم القاعدة لا تكتمل بالجهود العسكرية والأمنية وحدها، ولذلك تبنت استراتيجيات لمعالجة الجذور الفكرية للتطرف وأنشأت مؤسسات متخصصة لمكافحته وأطلقت برامج للمراجعة والمناصحة وإعادة التأهيل ومراجعة المناهج الدراسية وضبط الخطاب الديني وتنقيح بعض النصوص والمضامين الدينية التي استغلت لتبرير العنف والكراهية والإرهاب.
حدث ذلك بالرغم من أن أثر الإرهاب القاعدي وتهديده الإقليمي كان أقل خطورة من تهديد جماعة الحوثي الذي وصل لمستويات خطيرة بعدما سيطرت الجماعة على مؤسسات وسلاح الدولة واستهدفت دول الجوار وهددت سلامة الملاحة الدولية.
ولهذا باعتقادي أن فهم الجذور الفكرية للحوثيين لا يقل أهمية عن فهم ارتباطهم بإيران، لأن الجذور الفكرية تساعدنا على تفسير سلوك الجماعة وأهدافها المرحلية والمستقبلية.
المشكلة الحقيقية ليست فقط أن جماعة الحوثي مرتبطة عضويا بإيران (وليس مجرد تحالف سياسي)، بل إنها تمتلك مشروعا عقائديا متطرفا يحمل مشتركات عقائدية وسياسية عميقة مع المشروع الخميني في إيران رغم الاختلافات المذهبية البسيطة.
وهذا يعني، حتى لو تركت جماعة الحوثي إيران، ستستمر المشكلة ما دامت تسيطر على السلاح والمال والكتلة البشرية الجائعة.
الحقيقة، أن أيديولوجيا الجماعة هي أهم ما ينبغي التركيز عليه إلى جانب تفكيك ارتباط الجماعة بالمركز الإيراني وبقية الأذرع في المنطقة.
التركيز على الأيديولوجيا يفسر لنا جانبا أساسيا من النشأة والتمرد وطبيعة العلاقة بإيران وموقفها من شرعية الحكم في اليمن وبقية دول الإقليم، لكن الأهم.. أن دراسة الأيديولوجيا هي التي تفسر أسباب تحول التجربة الحوثية إلى مصدر إلهام لكثير من العرب والمسلمين خارج اليمن.. وهذا أخطر ما يحدث في هذه المرحلة.
المشكلة ليست أن جماعة الحوثي تابعة لإيران فقط، بل لأنها تمتلك مشروعا عقائديا ذاتيا يعتبر الدول الوطنية غير شرعية ويشرعن التمرد المسلح عليها وهذا نفس ما جاء به تنظيم القاعدة.
الجذور الفكرية للحوثيين التي تؤصل للإمامة تقوم على شرطين مهمين، حصر الحكم والإمامة في ذرية الحسن والحسين رضي الله عنهما، والدعوة والخروج على الحاكم لإثبات أحقية الإمام الذي ينحدر من البطنين. وهذا ما يميز النظرية التي يؤمن بها الحوثيون عن التصور الاثني عشري في إيران أو لدى بقية الشيعة في العالم الإسلامي والذي لا يجعل الخروج بالسيف شرطا لإثبات إمامة جديدة.
وهنا تكمن المشكلة، الحوثيون يحصرون الحكم في البطنين، وبناء على ذلك كل زعيم عربي ليس من البطنين ليس شرعيا، ومتى ما ملكوا القوة والقدرة، أصبحوا ملزمين بناء على عقيدتهم بالخروج بالسيف والبندقية ضد الحاكم الذي لا تتوفر فيه شروط الحكم. ولهذا يكون الصراع مع الحكومات القائمة مزمنا ويتجاوز الخلاف على السياسات والمصالح لأنه يقوم أصلا على شرعية الحكم وإن استخدمت الجماعات شعارات ثانوية لخداع وتخدير واستغلال ظروف عامة الناس.
ولا يخفى على أستاذنا عبدالرحمن أن ما جاء أعلاه ليس استنتاجا نظريا، فقد شهد التاريخ الإسلامي حركات كثيرة كانت قائمة على أحقية آل البيت في الحكم وخاضت مواجهات مع السلطات القائمة متى ما شعرت بأن لديها قوة وقدرة وفرصة كما يرى عبدالملك الحوثي اليوم وأبناء عمومته في لبنان وإيران وبعض الفصائل في العراق. ولا يعني ذلك بالطبع أن جميع من ينتسبون لآل البيت اشتركوا في تلك الحركات وآمنوا بشرعيتها فالتعميم هنا خطأ.
يمنيا، ثمة مشهد تاريخي يستحق التأمل، عندما جاء يحيى الرسي إلى اليمن داعيا لنفسه متمردا على الدولة العباسية أواخر القرن الثالث الهجري، التحق به جيش من طبرستان الواقعة في شمال إيران الحالية لقتال القبائل اليمنية الرافضة للرسي، وهذه حقيقة يؤكدها ويتباها بها الحوثيون اليوم.
هذا المثال البسيط يثبت أن التضامن العقائدي العابر للأقاليم والدول والمشاركة في فرض إمامة البطنين ليست ظاهرة جديدة في المنطقة، ولا يمكن ايقافها بمجرد الفصل بين إيران والحوثيين.
بعد أكثر من أحد عشر قرنا، نجد أحفاد يحيى الرسي الحوثيين، ينخرطون في شبكة إقليمية تقودها إيران وتشارك فيها فصائل عراقية ولبنانية مسلحة وتؤيدها عناصر وجماعات من دول عربية وإسلامية مختلفة. وسيظل هذا المشهد يتكرر كلما جاء شخص ينتمي لهذا المشروع التاريخي وحصل على شيء من التأييد والقوة، ما لم تحدث مراجعات فكرية جريئة وشجاعة لهذا الموروث الخاطئ والذي تسبب بمعظم الحروب بين المسلمين.
وبناء على ذلك، لا ينبغي تفسر علاقة الحوثيين والنظام الإيراني والأذرع التابعة لها على أنها مجرد مصالح بناء على معادلات سياسية وعسكرية، بل علاقة عضوية قائمة على أسس عقائدية وعرقية وتنظيمية عميقة، وإن لم تكن هذه الأطراف متطابقة في التفاصيل المذهبية، لكن يكفي الرابطة الشعورية التي تجعل عبدالملك الحوثي يرى أن الخميني والخامنئي في إيران ونصر الله وهاشم صفي الدين في لبنان أقرب له من اليمنيين أنفسهم.
هذه الرابطة الشعورية إضافة إلى واحدية المفاهيم التاريخية والمعاصرة، تجعلنا أمام واحد من أخطر التحديات المتعلقة بهذا المشروع وهو تحد للأسف لا يحظى بالاهتمام الكافي على الأقل في مستواه الفكري.
أخطر ما في الحوثيين اليوم هو قدرتهم على التحول من مجرد جماعة محلية مسلحة، إلى نموذج يُحتذى به داخل بعض الدوائر العقائدية والسياسية الإقليمية.
فقد اكتسب الحوثيون مكانة رمزية كبيرة لدى بعض الأوساط المؤيدة لما يسمى محور المقاومة وبعض الجماعات الأخرى، لاسيما بعد عملياتهم المرتبطة بالحرب في غزة. وفي الوقت الذي يقدم عبدالملك الحوثي نفسه ممثلا للأمة الإسلامية في هذه المرحلة كما يلاحظ في خطاباته، يتم تقديمه لدى بعض الدوائر قائدا شجاعا استطاع الوقوف ضد قوى إقليمية ودولية وتجاوزت شجاعته الدول الوطنية. وهو الإعجاب الذي وصل إلى مستوى تبرير استعمال القوة ضد الحكومات الوطنية ودعم تنظيمي ومالي وعسكري بذريعة مواجهة الأنظمة العميلة لأمريكا وإسرائيل.
لكن ما هو أصل هذا الإعجاب بالحوثيين لدى بعض التيارات الشيعية والصوفية في المنطقة العربية والإسلامية؟
يلتقي الحوثيون مع بعض الأوساط الشيعية والصوفية في عدد من المفاهيم والمعتقدات المتعلقة بولاية آل البيت ومكانتهم الدينية والسياسية، ويذهب بعض هذه الأوساط إلى مستوى التشكيك في مشروعية حكم من هم خارج هذه الدائرة الجينية أو كما نصفها في اليمن (السلالية). لكن هذه الأوساط تختلف مع الحوثيين في مسألة الخروج المسلح على الحاكم، الذي يشكل أحد شروط إثبات الإمامة في النظرية الزيدية التقليدية.
ستجد كثيرا ممن يؤمنون بأحقية آل البيت في القيادة الدينية والسياسية في دول عربية وإسلامية مختلفة، لا ينخرطون في التمرد المسلح، إما لاختلاف تصوراتهم العقائدية بشأن الخروج على الحاكم، أو لاعتبارات سياسية وعملية واجتماعية، بينما يستمد الحوثيون رخصتهم في الخروج بالسيف والتمرد على أنظمتهم ومواجهتها من أصلهم الفكري الزيدي التقليدي.
ومن هنا يمكن فهم أحد منابع الإعجاب بالحوثيين لدى بعض هذه الأوساط، الظاهر منها والخفي. فهم يرون أن الجماعة أقدمت على ما لا يقدمون هم على فعله بداية بتمردها على النظام في 2004، ووصولا إلى مواجهة المملكة العربية السعودية التي تشكك بعض التيارات الشيعية، وليس كلها، في شرعية حكمها للسعودية وإدارتها للحرمين الشريفين.
وهكذا تتحول تجربة الحوثيين واندفاعهم لحمل السلاح ومواجهة الأنظمة القائمة، إلى صورة من الشجاعة والبطولة لاسيما في نظر من يشاركونهم في المفاهيم المتعلقة بولاية آل البيت والقيادة الدينية والسياسية.
من خلال متابعة خطاباتها وأدبياتها، فان جماعة الحوثي لا تقدم نفسها مجرد طرف في صراع سياسي، بل نموذجا لحركة عقائدية استطاعت تحويل أفكارها عن الولاية والشرعية إلى قوة عسكرية وسلطة فعلية، وهو ما قد يجعل تجربتها مصدر إلهام لتيارات أخرى تتبنى بعض تصوراتها. وهو أمر كان حسين الحوثي يشير إليه في محاضراته التي أكد في إحداها أن جماعته ستكون أكثر قوة من بقية شيعة المنطقة العربية والإسلامية لأنهم تولوا "آل البيت" بطريقة أكثر إيجابية منهم جميعا (محاضرة ألقاها في 2002 بعنوان "سورة المائدة الدرس الأول").
ولهذا، وفي حال نجح الحوثيون ومنحوا الشرعية والسلطة واعترف بهم العالم، ما الذي يمنع نفس التيارات المشابهة في الكويت أو البحرين لتكرار نفس التجربة؟ وفرصها في النجاح عالية لوجود الحوثيين كناظم وفاعل إقليمي سيدعم هذه الحركات ولن يستطيع أحد منعه. هذا هو الخطر الذي يمكن أن أسميه "خطر النموذج الملهم".
هذا ليس كل شيء، فتأييد الحوثيين لم يعد محصورا في دوائر شيعية وصوفية، فهناك شخصيات وتيارات قومية ويسارية وإسلامية إخوانية تشيد بهم لأسباب مختلفة، منها ما هو متعلق بالموقف من أمريكا وإسرائيل، ومنها ناتج عن الاصطفاف أو التعاطف السلالي.
خذوا مثلا اليوتيوبر المصري المعارض الإخواني عبد الله الشريف، والكاتب المصري الليبرالي سامح عسكر.. شخصيتان تنتميان إلى فضاءين سياسيين مختلفين تماما، لكنهما تلتقيان في مواقف مؤيدة للحوثيين وفي خطاب شديد العداء تجاه اليمنيين والسعوديين الرافضين للجماعة. وكلاهما ينتسب إلى السلسلة النسبية نفسها.
بلا شك.. لا يجوز التعميم. فهناك كثيرون ممن يقولون بانتسابهم إلى هذا النسب يرفضون الحوثيين ويقاومون مشروعهم بصدق ووضوح، ولا خير فينا إن لم ننصفهم. لا نسيء لهم ولا يشملهم حديثي هنا. ولدينا منهم الأصدقاء والرفاق.
لكن ما يستحق الدراسة فعلا هو حضور عامل النسب في مواقف بعض المؤيدين للحوثيين خارج اليمن، وحتى لدى بعض من لا يعلنون تأييدهم للجماعة صراحة، لكنهم يهاجمون اليمنيين الرافضين لها ويحرضون ضدهم وضد السعودية بصورة متكررة وممنهجة.
وبالعودة إلى أصل الموضوع، يظهر لنا خطورة استمرار نموذج الجماعة المسلحة التي تفرض سلطتها بالقوة، ثم تحصل على مكاسب سياسية واقتصادية دون أن تسلم السلاح الذي بحوزتها أو تخضع لمؤسسات الدولة.
الحقيقة إن نجاح هذا النموذج سيشجع جماعات راديكالية أخرى على الاعتقاد بإمكانية إسقاط الأنظمة العربية والحصول على الاعتراف الدولي باعتبار أنها فرضت أمرا واقعا.
عندما نقول للحوثيين اليوم إن العالم لا يقبل بالجماعات المتطرفة، يردون بالقول: دول كثيرة اعترفت بحركة طالبان وقبلت بها. وفي حال شرعنة حكم الحوثيين في اليمن، غدا سنسمع تنظيم الشباب (السني) في الصومال أو أي خلية شيعية في الكويت مثلا تردد نفس العبارة، ومن المعروف اليوم أن الحوثيين يدعمون حركة الشباب في الصومال بالتقنية والسلاح وهناك تعاون كبير بينهم وهذا تهديد مباشر للدول الوطنية، وما دامت قد دعمت المتطرفين في الجهة السنية، فلن تتردد في دعم المتطرفين الشيعة في أي دولة عربية أخرى في حال استقر لهم الأمر في اليمن.
لا يعني كلامي أننا نتحدث عن عموم الشيعة أو المنتسبين لما يسمى آل البيت، فهذه الجماعات تختلف في مرجعياتها ومواقفها وتصوراتها، لكن الخطأ المقابل هو تجاهل حقيقة وجود جماعات سنية وشيعية داخل كل الدول العربية تتحين الفرصة المناسبة للتمرد على دولها الوطنية وهي ترى الحوثيين كنموذج نجاح أمامها.
ولهذا لا ينبغي أن يقتصر السؤال على ما إذا كان الحوثيون سينفصلون عن إيران، أو ما إذا كانت طهران ستتوقف عن تمويلهم وتسليحهم. المشكلة ليست هنا فقط. قد تتغير تحالفات الحوثيين وتتبدل الظروف الدولية وقد يسقط النظام الإيراني، لكن ستبقى الدوافع الفكرية التي تعيد إنتاج الصراع قائمة.
صحيح.. إيران عامل مهم وأساسي في تفسير القوة الحوثية، لكنها ليست التفسير الوحيد لنشأة وظهور الجماعة ولا لطموحاتها التي تتجاوز الحدود اليمنية بلا شك.
الأساس الفكري والعقائدي الذي جعل يحيى الرسي يأتي إلى اليمن ليحرض اليمنيين ضد الدولة العباسية قبل حوالي 12 قرنا ويستعين بالطبريين ضد القبائل اليمنية، هو نفسه الذي يجعل حفيده عبدالملك الحوثي يحرض اليمنيين ضد المملكة العربية السعودية مستعينا بالإيرانيين في حروبه داخل اليمن وخارجه.
خلاصة القول.. قد أجبنا مطولا عن السؤال الذي يقول: من يدعم الحوثيين؟ واليوم نحن حاجة إلى أن نجيب على سؤال مهم: من سيتأثر بالحوثيين ليحقق ذات المكاسب؟!
@إشارة