شبوة: حين تغيب الصحافة عن القصر... ويحضر الفساد إلى البطانة

قبل ساعة


صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص
ارشيف الكاتب

بقلم/ الصحفي صالح حقروص


ليس عيبًا أن يتولى الرجل منصبًا، ولا عيبًا أن يخطئ، فالعيب أن يبقى محاطًا بمن يحجبون عنه الحقيقة، ويوهمونه أن الصمت فضيلة، وأن القمع قانون، وأن إسكات الصحافة حكمة. وفي شبوة، منذ تولي الشيخ عوض محمد بن الوزير منصب المحافظ، يبدو أن هذه المعادلة اختلطت، حتى غدا المشهد أشبه بغرفة مغلقة، لا يدخلها صوت الصحفيين، ولا يخرج منها إلا قرارات تُبرَّر بالحاجة إلى النظام.


من حقنا، بل من واجبنا، أن نتساءل: كيف لم يلتقِ محافظ شبوة بالصحفيين والإعلاميين ولا مرة واحدة منذ تعيينه؟ ليس الأمر مجرد موعد مؤجل، بل هو جدار عازل بين السلطة وأصحاب الكلمة. ومهما قيل عن الظروف، فإن الحقيقة أن هناك من لا يريد لهذا اللقاء أن يحدث، لأن في اللقاء اعترافًا بوجود صحافة، وفي الاعتراف بها مساءلة، وفي المساءلة خطر على من اعتادوا الظل.


المؤلم أن التجربة أثبتت أن أغلب من حول المحافظ لم يكونوا عونًا له على النجاح، بل كانوا عبئًا على سمعته وإرثه. فمحافظة شبوة، في عهده، سجّلت أسوأ فتراتها لحرية الصحافة والتعبير. اعتقالات طالت صحفيين وإعلاميين، ومحاكمات جرت على خلفية منشور، وحكم بحبس ناشط وصحفي أربعة أشهر مع وقف التنفيذ. وقائع لم تكن مألوفة في شبوة، ولم تحدث إلا في هذه الفترة، وهذا وحده كافٍ لمراجعة شاملة.


لا أظن أن هذا كله جاء من فراغ. فالمحافظ، كغيره من المسؤولين، يحتاج إلى من يرشده، لا إلى من يضلله. ويحتاج إلى من يطلعه على أن التعامل مع الصحافة لا يكون بالاعتقال والملاحقة، بل بالحوار والاحترام. لكن ما يبدو أن أغلب المحيطين به كانوا عناصر مرتبطة بالفساد، تبحث عن الانتقام، وتستهدف الصحفيين والإعلاميين، وتحرص على إسكات كل صوت يكشف ما يتعلق بها. وهؤلاء هم من يوهمون المحافظ بأن الإجراءات قانونية، وأن الاحتكام إلى القضاء أسلوب حضاري، متناسين أن استغلال النفوذ والسلطة هو ما أوصل تلك القضايا إلى قاعات المحاكم أصلًا.


والأخطر من ذلك كله، أن الصحفي الذي ينتصر في قضيته، ويقدّم الإثباتات التي تؤكد أن ما نشره صحيح، لا يُنصف كاملًا. فمن رفع عليه الشكوى كذبًا لا يُحاسب، بل يُحفظ الملف، وكأن العدالة تقف على قدم واحدة. فهل هذا هو القانون الذي يطمئن الصحفيين؟ وهل هذه هي الحماية التي يحتاجها من يكشف الفساد؟


والكارثة الكبرى — بل الطامة التي تفضح ازدواجية العدالة — أن الصحفي حين يرفع شكوى ضد مسؤول عما تعرّض له من ظلمٍ أو انتهاك، لا تُفتح ملفاته، ولا تتحرك التحقيقات، بل يُطوى الملف في أدراج النسيان وكأن صوته لم يكن. أما إذا انقلبت الآية، وتقدّم المسؤول بشكوى ضد الصحفي، فإذا بالتحقيقات تشتعل كالنار في الهشيم، وتتحرك الآلة بسرعة البرق، وكأن العدالة لا تُستنفر إلا ضد الأقلام، ولا تغفو إلا عن أصحاب النفوذ. فيا للعدالة التي تمشي على قدمين: قدمٌ تسرع نحو الصحفي، وقدمٌ تزحف نحو المسؤول!


ثم يأتي السؤال الأكبر: إذا كانت مصلحة شبوة تقتضي الوقوف مع المحافظ، فهل يعني ذلك أن نصمت عن الفساد، ونتغاضى عن الفاسدين، ونقبل البطانة السيئة، ونتحمل الأخطاء خوفًا من الأسوأ؟ أم أن مصلحة شبوة الحقيقية هي الإصلاح والمحاسبة، ووضع حد للفساد والانتهاكات، مهما كان مصدرها؟


إن إنقاذ شبوة لا يكون بالصمت، ولا بتخوين من يرفع صوته. إنه يكون بفتح الأبواب، واللقاء بالصحفيين، والاستماع إلى الإعلاميين، ومحاسبة من يستغل السلطة لتصفية حساباتاته. آن الأوان أن يعرف المحافظ من حوله من يحبونه حقًا، ومن يريدون له أن يبقى في دائرة الاتهام. وآن الأوان أن تُعاد للصحافة مكانتها، وللعدالة معناها، ولشبوة وجهها الذي يستحق.


الصحفي صالح حقروص

2026/10/18م