في تعز، لا تهدأ الاشتباكات ولا تتوقف المواجهات. تدفع إيران بمليشياتها الحوثية في أنساق متلاحقة، وتزج بالمزيد من المقاتلين على مدار الساعة، لكن هجماتها تتحطم على أسوار تعز، وتنكسر أمام إرادة أبنائها، وتتبدد أمام عنفوان رجالها وصلابة صمودهم.
تعز اليوم لا تخوض معركة الدفاع عن نفسها فحسب، بل تخوض معركة الجمهورية اليمنية بأكملها، وتدافع عن أمن الرياض وسائر عواصم الخليج، وعن أمن الدول المطلة على البحر الأحمر. إنها تقف في مواجهة مشروع يتجاوز حدود اليمن، ويستهدف إعادة تشكيل موازين القوة والسيادة في المنطقة بأسرها.
تعز تؤدي واجب الجميع، فلماذا يتقاعس الجميع عن أداء واجبهم تجاهها؟
لقد سقطت الذرائع، وأُقيمت الحجة على الجميع. وإذا كانت الموانع الدولية والعوائق الإقليمية قد زالت كما تشير المعطيات السياسية الراهنة، فما الذي يؤخر قرار الحسم؟ وما الذي يبرر إبقاء تعز وحدها في مواجهة معركة تتجاوز نتائجها حدود اليمن إلى أمن الجزيرة العربية برمتها؟
نحن أمام مشهد متسارع، تتداعى فيه الحسابات القديمة، وتتشكل معادلات جديدة، لكنه مشهد يبعث على الخشية بقدر ما يفتح أبواب الأمل.
والخشية ليست من قوة إيران ومليشياتها، بل من أن يسقط أصحاب القرار مجدداً في أوهام السياسة والاحتواء، وأن يعيدوا إنتاج الأخطاء التي منحت المشروع الإيراني الوقت والمساحة والقدرة على التمدد.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن تأجيل المواجهة لا يلغي أسبابها، وأن احتواء الخطر دون معالجة جذوره لا يصنع أمناً، بل يمنح التهديد فرصة لإعادة بناء قوته والعودة بكلفة أشد.
اليوم تختلف المعادلة. لم تعد القضية مجرد جبهة عسكرية أو مدينة محاصرة، بل مفترق تاريخي تتحدد عنده ملامح اليمن ومستقبل أمن المنطقة.
إما أن تنتهي هذه المعركة باستعادة الدولة اليمنية وكسر الهيمنة الإيرانية، وإما أن يصبح تأجيل الحسم بدايةً لمرحلة أشد خطورة، تتسع فيها دائرة التهديد من صنعاء إلى عواصم المنطقة.
إن هزيمة المشروع الإيراني في اليمن لن تكون حدثاً يمنياً معزولاً، بل تحولاً استراتيجياً تتجاوز ارتداداته الحدود، وتنعكس على نفوذ طهران في العراق وما تبقى لها من أوراق في لبنان وسائر المنطقة.
فاليمن ليس هامشاً في حسابات إيران الإقليمية، بل إحدى أهم ساحات نفوذها وأدوات ضغطها على الجزيرة العربية والممرات البحرية الدولية.
ومن هنا، فإن تحرير اليمن من قبضة مليشيات الحوثي الإيرانية لا يعني استعادة عاصمة محتلة فحسب، بل انتزاع إحدى أخطر أدوات التهديد من يد طهران.
تعز اليوم تكتب بدماء أبنائها حقيقة لا تحتمل التأويل: أن إرادة المقاومة لم تنكسر، وأن الجمهورية ما زالت تمتلك رجالاً يدافعون عنها.
لكن البطولة، مهما بلغت عظمتها، لا تُعفي أصحاب القرار من مسؤولياتهم، ولا تمنح المترددين عذراً لمواصلة الانتظار.
فالتاريخ لا يحاسب الشعوب على مقدار ما بذلته من تضحيات فحسب، بل يحاسب القيادات أيضاً على الفرص التي أضاعتها، والقرارات التي تهربت منها، والأثمان التي دفعتها الأوطان نتيجة ترددها.
تعز لم تعد تنتظر من أحد شهادةً ببطولتها؛ إنها تنتظر أن يرتقي الجميع إلى مستوى تضحياتها ؟
#سيف_الحاضري