فجرُ اليمن... متى يشرق في تعز؟

قبل ساعة


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

الفجر في وجدان الناس بشارة بانقضاء الليل واقتراب الشروق. ولهذا أحسن من سمّى العملية «فجر اليمن»، فالاسم وعدٌ بأن الليل الحوثي الطويل إلى انقضاء. غير أن للأسماء استحقاقاتها؛ فالفجر الذي يتأخر شروقه يفقد معناه، وبقاء المرحلة الأولى دون استكمال يثير أسئلة عن إيقاع ما بعدها، وعن الوقت المتاح قبل أن تفرض الظروف الدولية حساباتها.


ولا نشك في عزم فخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي حين يؤكد أن العملية مستمرة حتى استعادة الدولة وصنعاء، ولا ننكر حجم الإسناد السعودي. لكن الوقت في الحروب ليس محايدًا؛ فكل يوم تأخير يفتح بابًا لضغوط دولية تطالب بالتهدئة، ولوساطات مشبوهة كالعرض الإيراني الأخير، الذي يسعى إلى تسويق الانقلاب طرفًا نِدًّا للدولة. وقد أعلن اللواء تركي المالكي أن أطرافًا إقليمية مكّنت الحوثيين من تقنيات متقدمة، ومن يمدّهم بأسباب القوة لن يتردد في التحرك سياسيًا لإيقاف المعركة قبل بلوغ أهدافها.


تعز... مختبر الفجر ومقياسه


إن كان للفجر مختبر يُقاس به صدقه، فهو تعز. فالمدينة التي صمدت منذ 2015 تواجه اليوم ضغطاً حوثياً كثيفاً على جبهتها الغربية، في المطار القديم ومدرات، وقصفاً في الشقب والمسراخ ومن كل صوب، فيما يخنقها الحصار بنقص الدواء والوقود. وإن اشتد الضغط على مدخلها الغربي، فقد تتحول المعركة إلى قتال من بيت إلى بيت، يتعذر معه الإسناد الجوي، ويدفع ثمنه المدنيون.


وجميلٌ أن نسمع أنهم يهاجمون ليلاً فينكسرون، ويهاجمون فجراً فينكسرون، ويهاجمون عصراً فينكسرون. لكن متى تنتقل المبادرة إلى أيدينا؟ متى يُفتح طريق المطار القديم مروراً بالرمادة وهجدة وصولاً إلى الحديدة؟ ومتى تتحرر الحوبان، فتُفتح عبرها الطرق إلى إب عبر القاعدة، وإلى عدن عبر الراهدة، ويُؤمَّن طريق الضباب؟ تلك ليست أمنيات عابرة، بل حق مدينة انتظرت طويلاً أن يتحول صمودها إلى انفراج.


حولنا تحالفات... فأين المبادرة اليمنية؟


وفي الأثناء تتحرك المنطقة بسرعة لافتة؛ فقد أعلنت السعودية وتركيا وباكستان التفعيل الفوري لاتفاقية مكة للدفاع المشترك، وأعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي استعداد بلاده للوقوف مع المملكة إن طلبت، ودعا البرلمان إلى تفويضه، فتقرّر انعقاد مجلس النواب المصري يوم الأحد 18 أكتوبر استجابةً لطلبه.


والمملكة ليست في حاجة إلى من يحميها؛ فدفاعاتها المتطورة هي التي حالت دون دمار واسع في مدنها. وهذه التحالفات ليست شهادة على عجز، بل رسالة تضامن وردع موجهة إلى طهران قبل غيرها، وكشفٌ لمن يمدّ أدواتها بالسلاح من خلف الستار. فالمعركة في جوهرها ليست مع جماعة لا تمثل إلا قلة قليلة من اليمنيين، وهم قادرون، بالدعم والإسناد، على إنهاء انقلابها واستخدامها لمقدرات اليمن وموقعه، بل مع مشروع إيراني توسعي يتخذ من اليمن ورقة تفاوضية، ويطالب أمريكا بالخروج من المنطقة ليحلّ محلها، وبذلك يستهدف المملكة واليمن والأمن العربي كله.


وهنا السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا بشجاعة: إذا كان الأشقاء والأصدقاء يعلنون تضامنهم، فأين المبادرة اليمنية؟ إن اليمنيين، وفي مقدمتهم أبناء تعز ومأرب، قادرون على إسقاط الانقلاب إن مُكّنوا. وأفضل ما نقدمه للمملكة نصرٌ يمني يُسكت منصات الصواريخ في منبعها.


الخلاصة


لا نكتب عتباً للتثبيط، بل حرصاً على ألّا يتحول الفجر إلى ليل آخر. والمطلوب ثلاثة أمور:


أولاً: تعز أولاً؛ فك الحصار عنها وفتح طرقها، فهي بوابة الشروق ومقياس الجدية.


ثانياً: استعادة المبادرة؛ الانتقال من صد الهجمات إلى التقدم الميداني، قبل أن تُغلق نافذة اللحظة الإقليمية.


ثالثاً: تحرك دبلوماسي يمني نشط؛ تحويل التضامن العربي والإسلامي مع المملكة إلى إسناد لمعركة اليمنيين في استعادة دولتهم، فاليمن والمملكة في خندق واحد، والخصم واحد.


فالفجر وعد، والشروق وفاء. وتعز، بعد ليل طويل، تنتظر الوفاء.