تعز تحت القصف… لا تتركوها وحدها

قبل ساعة


محمد خالد
بقلم: محمد خالد
ارشيف الكاتب

كلما خسر الحوثيون مواقع على الأرض، يدفع المدنيون في أرياف تعز وأحيائها ثمنًا جديدًا من دمائهم وأمنهم. ومع تصاعد المواجهات ضمن عملية «فجر اليمن»، يجد أبناء تعز أنفسهم أمام حرب تعود بصورة أكثر قسوة، وقصف يهدد البيوت الآمنة، وخوف يلاحق الأسر التي لم تعد تعرف متى تنتهي هذه المعاناة.


ما يحدث في تعز ليس مجرد اشتباكات على جبهة عسكرية، بل تهديد لحياة الناس وحقهم في العيش بأمان. فالقصف الذي يطال المناطق السكنية لا يصنع نصرًا، بل يضاعف معاناة المدنيين الذين عاشوا سنوات طويلة تحت الحصار والخوف والفقر، وها هم اليوم يواجهون جولة جديدة من التصعيد.


هل ظهر للعالم الآن التناقض بين شعارات الحوثيين عن حماية غزة وما يتعرض له المدنيون في اليمن؟


لسنوات، رفع الحوثيون شعار الدفاع عن غزة، وتحدثوا باسم أطفالها ونسائها وشيوخها، وقدموا أنفسهم باعتبارهم المدافعين عن المظلومين. لكن ما يجري في تعز يضع هذه الشعارات أمام اختبار حقيقي؛ فالأطفال هنا أيضًا يستحقون الحياة والأمان، والنساء هنا أيضًا لهن الحق في حماية بيوتهن، وكبار السن ليسوا أهدافًا في حرب لا ترحم أحدًا. فكيف لمن يرفع شعار حماية أطفال غزة أن يتجاهل أطفال اليمن الذين يعيشون تحت القصف، وتتعرض منازلهم للخطر، وتُجبر أسرهم على الخوف والنزوح؟ إن حماية المدنيين لا تكون بالشعارات، ولا يجوز أن تتحول معاناة شعب إلى وسيلة للدعاية السياسية، بينما يعاني شعب آخر من المأساة نفسها.


ومع انطلاق عملية «فجر اليمن»، كان اليمنيون يأملون أن تكون بداية لتحول حقيقي في مسار المعركة، وأن تتغير معها طريقة إدارة المواجهة، وأن تشهد الجبهات تحركًا يخفف الضغط عن المدن التي تقاوم منذ سنوات. لكن تعز لا تزال تواجه تصعيدًا واسعًا، فيما تتواصل المخاوف من أن تتركز العمليات في جبهات محددة، بينما تبقى جبهات أخرى تنتظر.


وهنا أوجه حديثي إلى قيادة الشرعية والقيادات العسكرية: تعز لا تستطيع أن تقاتل وحدها إلى ما لا نهاية.


ليس من المقبول أن تستمر المدينة وأريافها في مواجهة الهجمات بإمكانات محدودة، بينما توجد آلاف القوات التي يفترض أن تكون جزءًا من معركة وطنية واضحة. المطلوب ليس الزج بالجنود في معارك عشوائية، بل وضع خطة عسكرية متكاملة، وتنسيق الجهود بين مختلف الجبهات، واستثمار الإمكانات المتاحة لتخفيف الضغط عن تعز وحماية سكانها.


إذا كانت «فجر اليمن» عملية لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، فيجب أن تنعكس أهدافها على الأرض، وأن يشعر المواطن بنتائجها في أمنه وحياته، لا أن تبقى مجرد اسم يتردد في البيانات. فلا معنى لأي تقدم عسكري إذا تُرك المدنيون تحت القصف، ولا قيمة لأي تحرك لا يضع حماية المدن والسكان في مقدمة أولوياته.


تعز اليوم بحاجة إلى موقف واضح، لا إلى مزيد من الوعود. تحتاج إلى إسناد حقيقي لجبهاتها، وإلى تحرك عسكري منظم يمنع الحوثيين من توسيع سيطرتهم أو تحويل الأحياء والقرى إلى ساحات للانتقام. كما تحتاج إلى موقف سياسي لا يتعامل مع ما يحدث باعتباره تفصيلًا عابرًا في حرب طويلة.


وفي المقابل، يجب ألا تمر الاعتداءات على المدنيين، أو ما يُثار عن الاختطافات والانتهاكات، دون توثيق ومساءلة. حماية الناس مسؤولية لا تقبل التأجيل، وكل من يثبت تورطه في استهداف المدنيين أو انتهاك حقوقهم يجب أن يخضع للمحاسبة.


لقد دفع أبناء تعز ثمنًا باهظًا خلال سنوات الحرب. قدموا الشهداء والجرحى، وتحملوا الحصار وتدهور الخدمات، واستقبلوا النازحين، وظلوا متمسكين بحقهم في الحياة والحرية. وليس من العدل أن يُطلب منهم في كل مرحلة أن يتحملوا وحدهم العبء الأكبر، ثم يُتركوا أمام القصف بانتظار أن تتغير الحسابات العسكرية.


إن استمرار الحرب بهذه الصورة لن يؤدي إلا إلى مزيد من الضحايا والنزوح وتدمير ما تبقى من حياة الناس. لذلك، فإن المطلوب من الشرعية أن تتحرك بمسؤولية، وأن تجعل حماية تعز أولوية عاجلة، وأن توحد الجهود العسكرية على مختلف الجبهات وفق هدف واضح، مع الالتزام بحماية المدنيين واحترام القانون الإنساني.


لسنا دعاة حرب مفتوحة بلا نهاية، بل نريد حربًا تنتهي باستعادة الدولة وحماية الإنسان، لا حربًا تتجدد كلما تغيرت خطوط المواجهة. نريد أن يعيش أبناء تعز في أمان، وأن يعود النازحون إلى بيوتهم، وأن تتوقف القذائف عن ملاحقة الأطفال في قراهم وأحيائهم.


يا شرعية اليمن، لا تتركوا تعز وحدها. لا تنتظروا حتى تتسع المأساة أكثر، ولا تجعلوا بطء القرار سببًا في خسارة مزيد من الأرواح والمناطق. حركوا الجبهات ضمن خطة واضحة، وأسندوا المقاتلين، واحموا المدنيين، وحاسبوا كل من يثبت تقصيره أو تورطه في الانتهاكات.


تعز لا تطلب المستحيل؛ تطلب أن تُحمى، وأن تجد من يقف معها، وألا تُترك لمواجهة مصيرها بإمكانات محدودة.


لقد تعب الناس من الحرب، لكنهم تعبوا أكثر من أن يدفعوا ثمنها وحدهم.


أنقذوا ما تبقى من تعز، واجعلوا حماية أهلها مسؤولية عاجلة لا تحتمل التأجيل.