العالم يهمه باب... واليمنيون يهمهم البابان!

قبل 46 دقيقة


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

هناك بابٌ واحدٌ يشغل العالم اليوم: باب المندب. تضطرب الملاحة، فتتحرك العواصم، وتنعقد الاجتماعات الطارئة، ويصبح أمن هذا الممر البحري قضيةً دولية تتجاوز حدود اليمن؛ لأن ما يجري عند هذا الباب يمس التجارة والطاقة وأمن الملاحة ومصالح دول كثيرة.


أما اليمني، فقصة الأبواب عنده أكبر وأعمق؛ فهو لا ينظر إلى باب المندب وحده، بل إلى البابين: باب المندب وباب اليمن. أحدهما ممرٌّ إلى مصالح العالم، والآخر اسمٌ لباب العاصمة صنعاء، ارتبط في الذاكرة اليمنية بالجمهورية والدولة والوطن، وبقية أبواب المدينة التي كانت تصلها بمحيطها وطرقها وقراها وسهولها وجبالها. ولهذا لم تكن أبواب صنعاء مجرد حجارة في سور، وإنما منافذ إلى الحياة، ورموزًا لمدينة مفتوحة على اليمن كله.


العالم يريد بابه مفتوحًا لسفنه وتجاراته ومصالحه، واليمني يريد أبوابه مفتوحة أمام دولته، وأمام استعادتها، وأمام إنهاء الانقلاب. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: العالم يخشى إغلاق باب المندب، بينما يعيش اليمني منذ سنوات تحت إغلاق أبواب أخطر: باب الدولة، والأمن، والاقتصاد، والراتب، والعودة إلى صنعاء.


ولم يكن ذلك قدرًا محتومًا. فقد وصلت قوات الشرعية في مراحل سابقة إلى تخوم صنعاء، وتقدمت في نهم وأرحب، وكانت العاصمة أقرب إلى الميدان مما هي عليه اليوم. وفي الساحل الغربي وصلت القوات إلى مشارف الحديدة وموانئها، وكان تحرير المدينة وموانئها مطروحًا هدفًا عسكريًا وسياسيًا كبيرًا. ثم دخلت عوامل وضغوط وحسابات دولية وإقليمية على خط المعركة، فتوقفت مسارات التقدم، وانتهى الأمر في الحديدة إلى اتفاق ستوكهولم وإعادة الانتشار.


ولا ينبغي قراءة تلك المرحلة بمنطق التبسيط أو اختزالها في مؤامرة واحدة؛ فقد كانت هناك اعتبارات إنسانية وسياسية وعسكرية حقيقية، وكانت الحديدة مرتبطة بملف المساعدات والملاحة وخطر التصعيد. لكن مرور السنوات يفرض سؤالًا لا يجوز تجاهله: هل نجحت تلك المقاربات في معالجة أصل الخطر، أم أنها منحت الحوثي وقتًا ومساحة أعاد خلالهما بناء قوته وتوسيع قدرته على تهديد اليمن والمنطقة والممر الدولي؟


فما كان يُنظر إليه آنذاك باعتباره وسيلة لمنع التصعيد وحماية المدنيين، يستحق اليوم أن يُراجع على ضوء نتائجه. والسياسة التي لا تراجع نتائجها قد تتحول، من حيث لا تريد، من وسيلة لاحتواء الخطر إلى عامل يساعد على تضخمه. وما كان يراد به إبعاد الخطر عن الممر الدولي، قد يكون قد أتاح له الوقت حتى اقترب منه أكثر.

وهنا تظهر المفارقة بأوضح صورها: العالم يعود اليوم بقوة إلى باب المندب لأن الخطر اقترب منه، بينما اليمنيون يتساءلون عن الأبواب التي أُغلقت في وطنهم طوال سنوات. فباب المندب ليس جزيرة معلقة في البحر؛ إنه جزء من جغرافيا اليمن، وأمنه يرتبط بأمن الساحل والدولة التي يفترض أن تحكم هذا الساحل.


ومن هنا تأتي أهمية ما جرى في الساحل الغربي، وما ينبغي أن يترتب عليه من استعادة المبادرة واستكمال استرداد المواقع والموانئ الحيوية. فالمعركة هناك ليست معركة موقع هنا أو مدينة هناك، وإنما جزء من معركة أوسع تتعلق بأمن اليمن وسيادته، وبأمن البحر الأحمر ومصالح اليمن والمنطقة والعالم.


لكن استعادة المبادرة لا تعني تجاوز ما حدث. بل إن الانتكاسة تفرض مراجعة جادة وسريعة: أين تعثرت القيادة؟ أين اختل التنسيق؟ هل وقع قصور في التقدير أو الإمداد؟ هل تعددت الصلاحيات ومراكز القرار؟ وهل دفعت القوات في الميدان ثمن تباينات لم تكن من صنعها؟


وكما قلت بالأمس: لم يكونوا على قلبٍ ورجل... واليمنيون هم الذين دفعوا الثمن.


هذه ليست عبارة لتوزيع الاتهامات، وإنما سؤال يجب أن تجيب عنه الوقائع والتحقيق. نحن في معركة، والغاية من التحقيق الآن ليست فتح معركة داخل المعركة، ولا البحث عن كبش فداء، وإنما الوصول سريعًا إلى مواضع الخلل، وتوثيقها، ومعالجة أسبابها، وتحديد المسؤولية عنها، حتى لا يتكرر الخطأ ونحن نتقدم في هذه الجبهة أو نفتح جبهة أخرى. أما المكاشفة الكاملة بكل التفاصيل والمسؤوليات، فلها وقتها؛ فالعبرة الآن أن نتعلم قبل أن ندفع الثمن مرة أخرى.


فالمعركة التي لا تتعلم من أخطائها تكررها، والقوة التي لا تعالج مواطن ضعفها قد تفقد ما تستعيده. والانتصار ليس مجرد استرداد موقع، وإنما القدرة على منع العدو من استعادته، ومواصلة التقدم بعده.


وهنا يبرز السؤال الأهم: ماذا ينقص اليمنيين؟

هل ينقصهم الرجال؟ لا. هل تنقصهم الشجاعة؟ لا. هل تنقصهم الرغبة في استعادة دولتهم وبلدهم؟ لا. وفي كثير من الجبهات لا تنقصهم التشكيلات ولا القدرات ولا الخبرات.


ما ينقصهم هو حسن إدارة هذه القوة: قيادة تعرف الهدف، وقرار لا يناقض نفسه، وتنسيق يجمع ولا يفرق، ومعلومات دقيقة، وإمداد يصل في وقته، ومقاتل يعرف إلى أين يتقدم ولماذا.


وهذا درس تؤكده تجارب شعوب أخرى، ومنها التجربة السورية، من دون أن تكون اليمن نسخة من سوريا؛ فلكل بلد ظروفه وتوازناته. لكن القاعدة واحدة: الرجال وحدهم لا يكفون إذا تفرقت البوصلة، والسلاح وحده لا يصنع النصر إذا تعددت مراكز القرار.


وهنا تبرز مسؤولية المملكة العربية السعودية، التي قبلت الإشراف على إعادة الهيكلة، باعتبارها فرصة ينبغي أن تُستثمر لتوحيد القوة اليمنية لا لتفكيكها، ولجمع كل التشكيلات تحت هدف وطني واحد ومرجعية عسكرية واضحة.


ليس السؤال: من أي منطقة جاء هذا المقاتل؟ ولا ما اسم التشكيل الذي ينتمي إليه؟ السؤال الأهم: هل يقاتل من أجل الدولة والجمهورية؟ وهل يستطيع أن يعمل ضمن منظومة عسكرية وطنية واحدة؟


المطلوب أن تتحول القوى الموجودة على الأرض إلى قوة واحدة في الهدف والقرار، وأن تكون الأولوية للمهمة الوطنية الجامعة، لا للأسماء والحسابات والولاءات. وكل قوة تقاتل الحوثي يمكن أن تكون جزءًا من الحل إذا أصبحت مهمتها واضحة: استعادة الدولة وحماية الجمهورية.


والرهان الحقيقي في النهاية هو على الجندي. فهذا الجندي الذي نطالبه بتحقيق النصر يجب أن يجد سلاحه وذخيرته وراتبه وغذاءه ودواءه وإمداده وإسناده وقيادته. لا يجوز أن يصل الفساد إلى حقه، ولا أن تتعثر احتياجاته بينما يُطلب منه أن يصنع المستحيل في الميدان.


فالانتصارات لا تُصنع بالتشكيلات على الورق، ولا بالتغريدات والمناكفات، وإنما برجال في الميدان، وقيادة تعرف مسرح العمليات، وقرار واضح، وإمداد منتظم، وهدف لا يتغير.


ويتزامن ذلك مع لحظة دولية وإقليمية لافتة؛ فالعالم يعود اليوم إلى باب المندب، ومجلس الأمن يناقش تطوراته، فيما تشهد القاهرة تحركًا إقليميًا مهمًا بلقاء القيادتين السعودية والمصرية. وهذه لحظة ينبغي أن يستفيد منها اليمنيون، لا باعتبارهم مجرد طرف في ملف الملاحة الدولية، وإنما باعتبارهم أصحاب القضية الأصلية؛ فباب المندب يقع على أرضهم وسواحلهم، وأمنه لا ينفصل عن أمن اليمن واستعادة دولته وسيادته.


إذا كان العالم يريد حماية الباب، فعليه أن يدرك أن حماية الباب تبدأ من حماية البيت الذي يقع فيه الباب. وإذا كانت حماية الملاحة مصلحة دولية، فإن استعادة الدولة اليمنية مصلحة يمنية وعربية ودولية في آن واحد.


وهنا تلتقي المصلحتان: العالم يريد باب المندب آمنًا، واليمنيون يريدون اليمن آمنًا ومستقرًا وموحدًا تحت دولة مؤسسات.


العالم يهمه باب... واليمنيون يهمهم البابان.


بابٌ يعبر منه العالم إلى مصالحه، وأبوابٌ نريد أن نعبر منها نحن إلى وطننا ودولتنا ومستقبلنا.


نريد باب المندب آمنًا، لكننا نريد أيضًا باب الدولة مفتوحًا. نريد أن تعود صنعاء إلى الدولة، وأن تعود الدولة إلى اليمن، وأن تعود اليمن إلى محيطها العربي ودورها الطبيعي.


فإذا فُتح باب الدولة، فُتحت أبواب كثيرة بعده.


وعندها لن يكون السؤال: متى تُفتح أبواب اليمن؟


بل: هل اكتملت الإرادة؟ وهل توحّد القرار؟ وهل آن لليمنيين أن يفتحوا باب اليمن؟