تراب عدن.. أم فنادق إسطنبول؟

قبل ساعة


صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص
ارشيف الكاتب

لماذا تخسر قوات الإخوان معاركها أمام الحوثي؟ قراءة في الأسباب الخفية


بقلم: الصحفي صالح حقروص


في كل مواجهة عسكرية حقيقية تجمع قوات الإخوان بالحوثيين، تتكرر النتيجة ذاتها وكأنها قانون فيزيائي لا يقبل التبديل: خسارة ميدانية مدوية للإخوان، في مقابل تقدم واضح للحوثيين. وهذا المشهد، الذي أضحى مألوفاً للمتابعين، يطرح سؤالاً جوهرياً: هل الأمر مجرد قصور عسكري وغياب تكتيكي، أم أن الأسباب تتجاوز ذلك إلى أبعاد سياسية واستراتيجية أعمق؟


استعراض وقائع الميدان، وتحليل خلفيات القرار السياسي لقوى الإخوان، يكشف أن الهزيمة ليست بالضرورة في الميدان العسكري بقدر ما هي هزيمة في المشروع والفكرة.


١. عندما تغيب الروح الوطنية وتحتدم المصالح التنظيمية


من أبرز سمات أداء قوات الإخوان في اليمن افتقادها للبوصلة الوطنية في قتالها ضد الجماعة الحوثية. فهي لا تخوض الحرب دفاعاً عن السيادة الوطنية أو وحدة التراب اليمني، بل يبدو أنها تدير صراعها وفق أجندة تنظيمية ضيقة، لا تهدف إلا إلى حماية مصالحها ونفوذها في المؤسسة الشرعية.


تكشف المعطيات عن حرص قوات الإخوان على التمركز في ثلاث مناطق استراتيجية تدر العوائد المالية، وهي:


· المواقع النفطية في مأرب وشبوة وحضرموت.

· المنافذ البرية والبحرية الرئيسية.

· موارد الدخل المالي للدولة ومفاصل الاقتصاد الوطني.


وهكذا تتحول المعركة لديهم من واجب وطني إلى وسيلة لجني الأموال وضمان البقاء المالي، وعندما يُقتَتل جيش من أجل "المال" مقابل جيش يقاتل من أجل "الوجود والعقيدة والأرض"، تكون النتيجة محسومة سلفاً؛ فالروح المعنوية هي الفارق الأهم، وهي الركيزة الغائبة عن صفوف الإخوان.


وشاهد على ذلك: معركة وادي حضرموت


حين حررت القوات المسلحة الجنوبية المنطقة العسكرية الأولى في حضرموت خلال ساعات معدودة، كان العالم أجمع شاهِداً على أن الروح القتالية وحدها هي مفتاح النصر، حتى لو تفوق الخصم عدةً وعتاداً. تلك الروح التي افتقدتها قوات الإخوان كانت السر الأساسي في انتصار الجنوب.


٢. استراتيجية الاستنزاف الممنهجة وليس الاستعادة


ما يثير الانتباه حيال الأداء العسكري لقوات الإخوان أنها لا تحرص على استعادة المواقع التي تخسرها في معاركها الحقيقية مع الحوثي، بل تفضل أن تتقدم القوات الجنوبية وتحرر تلك المناطق، ثم تُسلَّم إليهم بموجب أوامر عليا، وكأنهم أصحاب الحق والامتياز الوحيدون في تلك الجغرافيا.


وهكذا يتحقق للإخوان هدفان مزدوجان:


1. استنزاف القوات الجنوبية في معارك تخدم أجندتهم ولا تخدم قضية الجنوب.


2. إضعاف الجنوب تدريجياً على المستويين البشري والمادي، تمهيداً لتحقيق أطماع تاريخية فيه.


تلك الاستراتيجية لا تخفي نية واضحة لتحويل الجنوبيين إلى "وقود" لمعارك الغير، وجني مكاسب سياسية وميدانية على حساب دمائهم.


٣. المخطط الأكبر: الشمال أولاً.. ثم الجنوب


من هنا يتبدى المخطط الأكثر خطورة: إصرار الإخوان على إشراك القوات الجنوبية في معركة تحرير صنعاء. فالمعادلة التي يروّج لها واضحة: التخلص من الحوثي في الشمال، مع إضعاف الجنوب واستنزافه، ليصبح لقمة سائغة تعود الإخوان للسيطرة عليه وعلى ثرواته النفطية والزراعية والبحرية.


باختصار، يريد الإخوان ضرب عصفورين بحجر واحد، مستغلين وطنية الجنوبيين لتحقيق مكاسب تنظيمية بحتة.


٤. وعي الجنوب.. موقف يسبق الحدث


أدرك الرئيس عيدروس الزبيدي والمجلس الانتقالي الجنوبي هذه المعادلة الخطيرة مبكراً، فكان موقفهم التاريخي برفض المشاركة في معركة صنعاء. ولم يكن هذا الرفض صادراً عن خوف من مواجهة الحوثي، بل عن وعي كامل بأن الجنوب ليس وقوداً لحروب الشمال، وأن ملامح الدولة الجنوبية لا تُبنى بجعل أبنائها دروعاً بشرية لمشاريع الآخرين.


"حرروا الجنوب بقواتهم، واحتفظوا بطاقاتهم لمعركة استعادة الدولة. ومن أراد إضعاف القوات الجنوبية، فإنما يريد إضعاف حلم الجنوب برمته. لذلك قالت القيادة الجنوبية: لا.. لأن الجنوب أولاً، وقوته خط أحمر."


٥. ماذا بعد الرفض؟ العقاب بدل التقدير


بعد هذا الرفض الواعي، لم يلق الجنوب إلا الجزاء والعقاب. فمن خلال نفوذ الإخوان في صنع القرار بالعاصمة السعودية، تم تحريض الرياض على قصف القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة، وإخراجها بالقوة من تلك المناطق، واستهداف الرئيس الزبيدي والمجلس الانتقالي بقرارات وإجراءات مسيئة.


كل ذلك في مسعى واضح لإضعاف الجنوب، وتعطيل مشروعه في استعادة دولته وعاصمته عدن على حدود ما قبل ١٩٩٠، وتمكين الإخوان من السيطرة على مفاصل الثروة والنفوذ في المحافظات الجنوبية.


السؤال الذي يفرض نفسه على صناع القرار في الرياض


متى تدرك السعودية أن الإخوان، مهما تلقت من دعم عسكري ومالي، لن تحرر صنعاء؟ وأن مشروعهم لا يكتمل إلا بتسليم الجنوب إليهم، وهو مشروع لا يمكن تمريره، لأن الجنوب لن يفرّط في حلم استعادة دولته، ولن يتحول إلى وقود لمشاريع الغير، أياً كانت مسمياتها؟


الجنوب اليوم أكثر وعياً، وقيادته أكثر إدراكاً، ومشروعه واضح لا لبس فيه. وأي محاولة للالتفاف على هذا المشروع بالقوة أو بالإقصاء لن تزيد الجنوب إلا إصراراً، ولن تُضعفه إلا ليقف أقوى.


الخلاصة


ليس الضعف العسكري هو ما يخسر الإخوان معاركهم، بل غياب الروح الوطنية، واستراتيجية الاستنزاف الممنهجة التي يمارسونها على الجنوب، ومحاولاتهم توظيف الآخرين في معارك لا تخدم إلا مصالحهم التنظيمية الضيقة. والجنوب، بقيادته الواعية وشعبه الصامد، أدرك ذلك مبكراً، واختار أن يحافظ على قوته، لأنها ليست مجرد بطاريات عسكرية، بل جوهر الهوية والمصير.


فهل حان الوقت لقراءة هذه المعادلة بعيون جديدة؟


الصحفي صالح حقروص

2026/9/4م