أكثر الأوهام انتشارا بين المبتدئين في الكتابة أن يعتقد أحدهم أنه أصبح روائيا بمجرد أن تخطر في رأسه فكرة جميلة.
يقول لك لدي فكرة لرواية عظيمة، وكأن الفكرة وحدها إنجاز أدبي. ثم يبدأ في الحديث عن الرواية قبل أن يكتب صفحة واحدة، ويشرح نهايتها وشخصياتها وأحداثها، وكأنه انتهى من كتابتها.لكن الحقيقة القاسية هي أن امتلاك فكرة لا يجعلك كاتبا، تماما كما أن امتلاك وصفة لا يجعلك طباخا.
الأفكار رخيصة. العالم مليء بها. عشرات الأشخاص يمكن أن يفكروا في القصة نفسها، لكن القليل منهم يستطيع تحويلها إلى عمل أدبي متماسك.المشكلة ليست في أن تكون لديك فكرة؛ المشكلة في أنك لا تعرف ماذا تفعل بها.الرواية تحتاج إلى أكثر من الخيال. تحتاج إلى بناء شخصية تستطيع أن تحمل القصة، وصراع يدفعها إلى الحركة، وحبكة تمنع القارئ من الهروب، وحوار لا يبدو كأنه حديث أشخاص داخل مسرح مدرسي، ووصف يعرف متى يتوقف، ولغة لا تختنق تحت ثقل الاستعراض. ولهذا فإن أول نصيحة للمبتدئ هي: توقف عن الحديث عن الرواية وابدأ بتعلم كتابتها.اقرأ الروايات لا باعتبارك قارئا يبحث عن المتعة فقط، بل باعتبارك متدربا يحاول تفكيك الصنعة. راقب كيف يدخل الكاتب إلى المشهد، وكيف يبني الشخصية، وكيف يخفي المعلومة، وكيف يصنع التوتر، وكيف ينقل القارئ من فصل إلى آخر.
ثم اكتب ولا تبدأ بثلاثمئة صفحة لأنك تعتقد أن حجم الرواية دليل على أهميتها. ابدأ بمشهد. ثم قصة قصيرة. ثم حاول بناء شخصية كاملة. اكتب حوارا، وأعد كتابته. اكتب مشهدا سيئا، ثم اكتشف لماذا هو سيئ.الفشل في النصوص الأولى ليس فضيحة؛ الفضيحة أن ترفض التعلم وتصر على أن نصك عظيم.ومن أكثر الأشياء التي تعطل المبتدئ أنه يستهلك وقتا هائلا في البحث عن أفضل أدوات الكتابة أفضل تطبيق، أفضل دفتر، أفضل دورة، أفضل طريقة لبناء الشخصيات، وأفضل برنامج لكتابة الرواية.كل هذه الأشياء ثانوية.يمكنك كتابة رواية في دفتر عادي. يمكنك كتابة الملاحظات في هاتفك. يمكنك استخدام حاسوب قديم. لا توجد أداة سحرية ستمنحك أسلوبا أدبيا أو حبكة متماسكة.
الأداة لا تصنع الكاتب الممارسة هي التي تصنعه.أما الدورات، فخذ منها ما تحتاجه، ثم أغلقها واكتب. لا تحول التعلم إلى مخبأ تختبئ فيه من الكتابة. بعض المبتدئين يقضون عاما كاملا في مشاهدة الدروس عن كتابة الرواية، لكنهم لا يملكون في النهاية سوى ملفات مليئة بالملاحظات ولا يملكون رواية اقرأ، لكن لا تجعل القراءة ذريعة لعدم الكتابة.اكتب، لكن لا تجعل الكتابة ذريعة لعدم القراءة.ثم راجع و تبدأ المرحلة التي يهرب منها معظم المبتدئين: الحذف.ليس كل ما كتبته جميلا، وليس كل جملة كتبتها ضرورية، وليس كل شخصية تحتاج إلى الظهور، وليس كل مشهد يستحق البقاء. أحيانا يكون أفضل قرار أدبي يمكن أن تتخذه هو أن تحذف الصفحة التي قضيت ساعات في كتابتها.الكاتب الذي لا يستطيع حذف ما كتب، غالبا لا يزال متعلقا بنفسه أكثر من تعلقه بالنص.ولا تتعجل النشر. لا تجعل أول مسودة منشورا على وسائل التواصل الاجتماعي. امنح النص فرصة للنضج. اتركه، ثم عد إليه بعين قارئ لا بعين صاحبه.
وتعلم تقبل النقد إذا كنت تريد من الجميع أن يقولوا لك إنك عبقري، فلا تدخل عالم الكتابة. أما إذا كنت تريد أن تصبح كاتبا، فعليك أن تتحمل أن يخبرك أحدهم بأن الفصل ممل، أو أن الشخصية سطحية، أو أن الحوار ضعيف، أو أن الرواية تحتاج إلى حذف عشرات الصفحات.الكاتب لا يتطور عندما يسمع المديح؛ يتطور عندما يعرف أين أخطأ.لذلك، إذا كنت مبتدئا، لا تسأل نفسك فقط هل لدي فكرة لرواية؟ اسأل السؤال الأصعب هل أملك الأدوات اللازمة لتحويل هذه الفكرة إلى رواية؟ إذا كانت الإجابة لا، فلا مشكلة. ابدأ من الصفر. اقرأ أكثر. اكتب أكثر. راجع أكثر. تعلم من الروايات التي تحبها. ادرس أخطاءك. واكتب من جديد.
فالفكرة قد تولد في دقيقة، أما الرواية الجيدة فقد تحتاج إلى سنوات من التعلم والعمل.لا تتفاخر بأن لديك رواية في رأسك. أخرجها من رأسك، واكتبها، ثم دع النص يثبت إن كنت روائيا فعلا.
#زكريا_نمر