في السيرة والتاريخ، مرت على مصر سبع سنوات من الوفرة والرخاء تلتها سبعٌ عجاف، ثم أطلّ العام الذي غُاث فيه الناس وعادت فيه الحياة إلى مجراها. أما في اليمن، فقد طال أمد العجاف لأكثر من خمسة عشر عاماً متواصلة؛ سنواتٍ لم تُبْقِ ولم تَذَر، تجرّع خلالها الشعب مرارة انقطاع الخدمات، وانهيار العملة الوطنية، وتفشي السلاح، وتقاسم المليشيات للجغرافيا، حتى تمزق الوطن إلى كانتونات صغيرة لم تشهد البلاد لها مثيلاً في تاريخها الحديث.
يتساءل اليمني بمرارة وهو يرى دول الجوار تعمر الصحاري وتبني المستقبل: متى يأتي عام الفرج؟ ما الذي يمنع أرض السعيدة، بغناها الجغرافي والإنساني، أن تكون في صدارة النهضة، وأبناؤها لا يختلفون طموحاً ولا لغةً ولا ديناً عن أشقائهم في المنطقة؟ لقد قضى جيلٌ كاملٌ تحت أطياف الحروب؛ منهم من قضى نحبه وهو ينتظر الأمل، ومنهم من بترت أطرافه أو أنهكه المرض والفقر، في ظروف استنزفت أرواح الناس وأجسادهم.
لكن رحمة الله لا تنقطع، والحل الذي عجزت عنه القوى الخارجية والتجاذبات الإقليمية لا بد أن ينبع من أحشاء الأرض اليمنية ومن قلب المعاناة ذاتها.
اليوم، وتحديداً من ثغر اليمن الباسم "عدن"، تلوح في الأفق بوارق أمل جديدة؛ حيث احتضنت عدن مؤخراً إشهار "التحالف الوطني الجنوبي"، فيما تتجه الأنظار نحو الإشهار المرتقب لـ "تيار الدولة الاتحادية". هي مشاريع وسياسات نبعت من رحم المعاناة لتأخذ على عاتقها حمل القضية الوطنية بمسؤولية، والبحث عن حل عادل وشامل ومرضٍ لجميع الأطراف.
إن الشارع اليوم يتطلع بكثير من التفاؤل والرجاء نحو هذه التكتلات الوطنية الجديدة، وينتظر منها أن تسهم في لمّ الشمل، وأن تكون لبنة صلبة تجمع القوى السياسية ولا تفرقها، لترسيم معالم الحوار (الجنوبي - الجنوبي) والحوار الوطني الشامل. لقد أثبتت الأيام أن الرهان على الخارج وحده لا يكفي، وأن الإرادة الوطنية الصادقة المنبعثة من الداخل هي الصخرة التي تتكسر عليها كل أزمات الوطن.
دعونا نقف جميعاً صفاً واحدًا خلف كل جهد وطني مخلص يسعى لانتشال البلاد من ظلمات الفوضى إلى بر الأمان. عسى أن تكون هذه التحركات الميدانية هي المبتدأ لإنهاء الحصاد المُر، وأن يكون على أيدي المخلصين من أبناء هذا الوطن ميلاد العام الذي ينتظره الجميع.. العام الذي "فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ".
الباحث: احمد علي البيتي