ما يُناقش في دوائر القرار الدولي
وفي مقدمتها الكونجرس الأمريكي
لم يعد ينظر إلى اليمن باعتبارها أزمة داخلية فحسب
فالمعادلة تغيرت وأصبح السؤال مرتبطًا مباشرةً بأمن البحر الأحمروالملاحة الدولية
وأمن المنطقة
ومواجهة النفوذ الإيراني والتهديدات العابرة للحدود.
وفي قلب هذه المعادلة تقف مليشيا الحوثي بوصفها أحد أبرز مصادر الخطر
فلم يعد نشاطها محصورًا في السيطرة على أجزاء من الأراضي اليمنية أو تعطيل مؤسسات الدولة
امتد إلى استهداف الملاحة الدولية وتهديد أمن الممرات البحرية، بما يجعل استمرار بقاء اليمن خارج إطار الدولة الوطنية القادرة على فرض سيادتها خطرًا يتجاوز الحدود اليمنية.
لقد حوّل الحوثيون الجغرافيا اليمنية
ولا سيما موقعها على البحر الأحمر وباب المندب إلى منصة للضغط والتهديد الإقليمي والدولي
مستفيدين من الدعم الإيراني ومن هشاشة مؤسسات الدولة. ولذلك فإن التعامل مع الخطر الحوثي لا ينبغي أن يُختزل في إدارة هجمات متفرقة أو احتواء أزمة إنسانية
بل يجب أن يُفهم باعتباره جزءًا من معركة أوسع تتعلق بسيادة الدولة اليمنية وبأمن الملاحة الدولية وبالتوازن الاستراتيجي في المنطقة.
ومن هنا، فإن استعادة الدولة اليمنية لم تعد شأنًا داخليًا أو مطلبًا سياسيًا لطرف يمني
وإنما أصبحت مصلحة مشتركة يمنية وإقليمية ودولية.
فكلما ضعفت الدول
اتسعت مساحة الجماعات المسلحة
وتراجعت قدرة المؤسسات الشرعية على حماية الحدود والموانئ والمياه الإقليمية
وتحولت الجغرافيا اليمنية إلى بيئة مفتوحة للتدخلات الخارجية والتهريب والجريمة المنظمة وتهديد الملاحة.
ولهذا فإن المقاربة الدولية يجب أن تنتقل من إدارة الأزمة إلى معالجة مصدر الخطر
ومن احتواء نتائج انهيار الدولة إلى دعم قدرتها على استعادة وظائفها السيادية.
أولًا: الخطر الحوثي ليس أزمة داخلية
تكمن خطورة الحوثيين في أنهم لا يمثلون مجرد طرف مسلح داخل نزاع سياسي فقد أصبحوا فاعلًا مسلحًا يمتلك القدرة على التأثير في الأمن الإقليمي والدولي من داخل الجغرافيا اليمنية.
وتتضاعف خطورة هذا الدور بسبب الموقع الاستراتيجي لليمن
وبسبب الارتباط الاستراتيجي مع إيران، وما يتيحه ذلك من تحويل الأراضي والموانئ والمياه اليمنية إلى أدوات ضمن صراع أوسع من حدود اليمن.
وهنا تكمن المفارقة
كلما طال أمد ضعف الدولة
ازدادت قدرة الفاعلين من خارج مؤسساتها على استخدام اليمن كمنصة للصراع الإقليمي.
إن مواجهة الخطر الحوثي لا تبدأ فقط من التعامل مع قدراته العسكريةانما من إعادة بناء الدولة التي يستطيع الحوثي تقويضها واستخدام فراغها المؤسسي لصالح مشروعه.
ثانيًا: السيادة هي نقطة البداية
لا يمكن بناء سلام مستدام في بلد تتعدد فيه مراكز القوة والسلاح والقرار.
فالسيادة ليست شعارًا سياسيًا
وإنما هي قدرة الدولة على فرض القانون
وحماية أراضيها
وإدارة حدودها وموانئها ومياهها الإقليمية
واحتكار الاستخدام المشروع للقوة.
ولهذا يجب أن يكون احترام سيادة الجمهورية اليمنية ووحدة أراضيها وشرعية مؤسساتها القانونية أساسًا لأي مقاربة دولية.
ولا ينبغي أن تتحول التسويات المؤقتة إلى اعتراف دائم بواقع يقوم على تعدد السلطات أو المؤسسات السيادية الموازية لأن ذلك لا ينهي الأزمه انما يعيد إنتاجها في صورة أكثر استدامة.
ثالثًا: المطلوب دعم الدولة لا إدارة الانقسام
المجتمع الدولي أمام خيارين
إما الاستمرار في إدارة واقع الانقسام ومحاولة إبقاء الصراع تحت سقف يمكن احتواؤه
وإما الاستثمار في إعادة بناء الدولة باعتبارها الحل الأكثر استدامة.
والخيار الثاني هو الأكثر اتساقًا مع مصالح الأمن الدولي.
ويعني ذلك دعم توحيد مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، وتعزيز القضاء وأجهزة إنفاذ القانون
واستعادة السيطرة على الموارد والمنافذ والموانئ
وتقوية المؤسسات الاقتصادية والخدمية
وتمكين الحكومة من ممارسة وظائفها السيادية بصورة فعلية.
فالهدف ليس تحسين أداء حكومة مؤقتة فحسب
وإنما إعادة بناء الدولة باعتبارها المؤسسة الوحيدة المخولة قانونًا بإدارة القوة والموارد والقرار العام.
رابعًا
من إدارة الأزمة إلى حماية الأمن الدولي
لم يعد بالإمكان فصل مستقبل اليمن عن أمن البحر الأحمر وباب المندب.
فاستمرار ضعف الدولة يفتح المجال أمام التهريب والجريمة المنظمة والتدخلات الخارجية واستخدام الأراضي والمياه اليمنية في تهديد الملاحة والمصالح الدولية.
ولهذا فإن دعم قدرة الدولة اليمنية على حماية موانئها ومياهها الإقليمية وسواحلها ليس دعمًا لطرف سياسي
هو استثمار مباشر في الأمن الإقليمي والدولي.
وهنا ينبغي أن تتقاطع الأولويات اليمنية مع المصالح الدولية:
استعادة الدولة اليمنية
تقليص مساحة الفاعلين المسلحين
حماية السيادة
تأمين البحر الأحمر وباب المندب
تعزيز الأمن الإقليمي والدولي.
خامسًا:
إعادة تعريف دور المجتمع الدولي
المطلوب دوليًا ليس الانحياز إلى طرف يمني في مواجهة طرف آخر
وإنما الانحياز إلى مبدأ الدولة والقانون والسيادة.
ويجب أن ينتقل الدعم الدولي من البيانات السياسية والمساعدات الإنسانية وحدها إلى دعم القدرة الفعلية للدولة على الحكم والأمن والاقتصاد.
كما ينبغي أن تكون أي تسوية سياسية مرتبطة بضمانات واضحة تمنع تكريس واقع ينتقص من سيادة الدولة أو يشرعن وجود مؤسسات وقوى مسلحة خارج إطارها القانوني.
فالسلام الذي يُبنى على تعدد مراكز القوة لن يكون سلامًا مستدامًا وإنما تأجيلًا للصراع وإعادة إنتاج له بأدوات جديدة.
المعادلة السياسية الحاكمة
المعادلة التي ينبغي أن تحكم الرؤية الدولية لليمن ليست
من يسيطر أكثر؟
وإنما
كيف تستعيد الدولة قدرتها على السيطرة القانونية؟
وليست القضية
من ينتصر في موازين القوى؟
كيف تستعيد الجمهورية سيادتها ومؤسساتها وقرارها الوطني؟
ومن هنا تصبح المعادلة الاستراتيجية أكثر وضوحًا
استعادة الدولة
توحيد المؤسسات
احتكار مشروع للقوة
حماية السيادة
تحجيم الخطر الحوثي
حماية الأمن الإقليمي والدولي.
اليمن لم يعد مجرد ملف سياسي أو إنساني ينتظر تسوية
اليمن أصبح جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي والدولي.
والخطر الحوثي لا ينبغي التعامل معه باعتباره مشكلة يمنية منفصلة عن محيطها، لأن استمراره في ظل دولة ضعيفة يعني استمرار قابلية اليمن لأن يكون منصة لتهديد الملاحة والأمن الإقليمي والتدخلات الخارجية.
لذلك فإن دعم الدولة اليمنية ليس دعمًا لطرف ضد آخر
هو دفاع عن مبدأ السيادة
وعن القانون
وعن أمن المنطقة والممرات البحرية الدولية.
إن المجتمع الدولي أمام حقيقة واضحة
لا يمكن تحييد الخطر الحوثي بصورة مستدامة من دون استعادة الدولة اليمنية، ولا يمكن استعادة الدولة من دون موقف دولي واضح يرفض تحويل الأمر الواقع إلى بديل عن الشرعية والقانون.
فالسلام الحقيقي لا يبدأ بتوزيع السلطة بين مراكز القوة
بل يبدأ بإعادة بناء الدولة التي تحتكر السلطة بالقانون.
واليمن القادر على استعادة دولته وسيادته ليس فقط أكثر قدرة على إنهاء حربه
و أكثر قدرة على حماية البحر الأحمر.!
وأمن الإقليم
والمصالح الاستراتيجية للمجتمع الدولي.