بروفات الحوثي: حين يكشف غبار تعز زيفَ زَبَد البحر

قبل ساعة


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

يقول محمد الحوثي إن جماعته تخوض «بروفات جديدة في البحر الأحمر» استعدادًا للجولة القادمة، في مواجهة «العدوان الأمريكي السعودي» من جهة، و«العدو الأمريكي الإسرائيلي» من جهة أخرى، ثم يربط هذه البروفات بـ«فك الحصار عن أبناء الشعب اليمني». وهنا تحديدًا تبدأ الحكاية التي تستحق أن تُقرأ خارج قاموس الحوثي نفسه.


تستحق العبارة أن تُقرأ بجدية، لا باعتبارها مجرد خطاب تعبوي. لكنني، كلما قرأت تغريدة حوثية عن البحر، أبحث عن أثرها على اليابسة؛ فهناك تحديدًا يمكن معرفة من يخوض الحوثي حربه الحقيقية، وعلى من يجري «بروفاته».


البحر الأحمر واسع، والأسماء التي يعلنها الحوثي للعدو تتعدد: أمريكي، سعودي، إسرائيلي. أما على الأرض اليمنية فالصورة أقل غموضًا: قرى في جبل حبشي، ومناطق في مقبنة والكدحة، وساحل يتجه نحو المخا وباب المندب، وأناس يمنيون وجدوا أنفسهم في مرمى النار. وإذا كانت المعركة، كما يزعم، مع واشنطن وتل أبيب، فلماذا تتحول طرق اليمن ومرتفعاته وسكانه إلى ميدان دائم لهذه «البروفات»؟ إنها الحقيقة الناصعة التي تكشف الفارق بين «العدو» الذي تصنعه الدعاية، و«الهدف» الذي تتحرك نحوه البندقية.


فالحديث عن «الطوفان الأكبر»، والقواعد الأمريكية، وتحرير فلسطين، قد يبدو مشروعًا يتجاوز الحدود، لكن الخريطة تقول إن «البروفة» الحقيقية تجري في جبل حبشي ومقبنة والكدحة والساحل، حيث تُختبر الطرق والمرتفعات وخطوط الإمداد، ويُختبر الطريق نحو باب المندب. وفي قراءة أوسع، تبدو هذه التحركات محاولة لفرض معادلات جيوسياسية تخدم المشروع الإيراني في المنطقة، وتعويض ما تكبده من خسائر ونكسات، فيما تُدفع فاتورة ذلك من جغرافيا اليمن وأمن اليمنيين واستقرارهم.


وفي هذا السياق، يذهب الدكتور ياسين سعيد نعمان إلى أن تحرك الحوثيين غرب تعز يحمل هدفين متداخلين: محاولة تعويض ما مُنيت به الجماعة من خسائر سياسية واجتماعية خلال سنوات سيطرتها، وتوظيفها إيرانيًا كورقة للسيطرة على باب المندب، بما يمنح طهران ورقة جيوسياسية إضافية في واحد من أهم الممرات البحرية الدولية. ولذلك فإن ما يجري غرب تعز لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مجرد اشتباك عسكري عابر، بل باعتباره اختبارًا لمشروع يتجاوز الجغرافيا المحلية إلى حسابات إقليمية أوسع. وهكذا يصبح زَبَد البحر ستارًا واسعًا، بينما يجري العمل الحقيقي على الأرض: قرية بعد قرية، ومرتفع بعد مرتفع، وطريق بعد طريق.


وأما الشرعية، فربما آن لها أن تسأل نفسها: هل نحن في زمن حفر الحروف والجمل وتنسيق تراكيبها، أم في زمن حفر الخنادق وتثبيت المواقع وحماية الأرض؟ ففي الوقت الذي كانت فيه مخرجات الاجتماع المشترك لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة تُصاغ بعناية، كان الميدان يتهيأ لامتحانها؛ ولم تمضِ ساعات حتى جاء التصعيد الحوثي ليضع عبارات «الردع المتكامل» أمام اختبار لا تجدي أمامه البلاغة، ولا كثرة المصطلحات وتزاحمها. الحوثي لا يحفر الجمل، بل يحفر في جغرافيا الدولة؛ ولا يختبر قوة الكلمات، بل يختبر قدرة الخصم على منعه.


وليس المقصود التقليل من قيمة الاجتماعات أو المخرجات، بل وضعها في مكانها الصحيح: المخرجات ليست غاية، وإنما تعهدات تنتظرها النتائج. فالخصم لا يقرأ ما كتبناه بقدر ما يراقب ما نستطيع فعله، والمواطن لا يلمس «الردع المتكامل» في نص البيان، بل يلمسه في أمن قريته وطريقه وبيته. وإذا كانت الخنادق تُحفر على الأرض بينما تُحفر الحروف على الورق، فإن الأولى بالشرعية أن تجعل الثانية خادمة للأولى، لا بديلًا عنها. وما حدث في الميدان يستحق أن يكون درسًا؛ والواجب اليوم، كما قال ياسين سعيد نعمان، أن «ينكسر الحوثي ويُهزم غرب تعز، وتتحول مقبنة إلى مقبرة لمشروعه الحربي الخبيث»، قبل أن نضطر إلى فتح ملف تلك المخرجات كاملة، ومقارنتها بالنتائج بندًا بندًا.


لقد آن لليمنيين أن ينظروا إلى هذه الخطابات من موقع مختلف: لا تسألوا فقط إلى أين يقول الحوثي إنه ذاهب؛ اسألوا أين يضع فوهة بندقيته وصواريخه ومسيّراته، وأين تتحرك قواته، وما الذي تحاول السيطرة عليه على الأرض.


فالذي يقول إنه يستعد لجولة إقليمية كبرى، ثم يختبر قوته في قرى اليمن وطرقاتها وسواحلها، لا يمكن أن يُقرأ خطابه بمعزل عن مشروعه في الداخل. والذي يتحدث عن «فك الحصار عن الشعب اليمني»، بينما يفتح النار في جبهات جديدة ويضغط على الطرق والمناطق المحيطة بتعز والساحل، عليه أن يجيب اليمنيين أولًا: من الذي يحاصر اليمن اليوم؟ ومن الذي يدفعه إلى حرب لا تنتهي؟


قد يكون زَبَد البحر مرتفعًا، وقد يكون صوت «الطوفان» مدويًا؛ لكن غبار تعز أكثر صدقًا من كل الخطب. وما على الشرعية اليوم إلا أن تترجم أقوالها إلى أفعال، وفي مقدمتها أن تدفع رواتب الجنود والمقاتلين في مواعيدها، مثل غيرهم، ومن دون تأخير؛ فالجندي الذي يُطلب منه أن يصمد في الخندق، لا يجوز أن يُترك يصارع أعباء الحياة خارج الخندق. هناك، على الأرض، يمكن أن نرى بوضوح لمن كانت «البروفة»، ومن الذي يدفع ثمنها، ومن سيكون ضحيتها إذا استمر هذا الطريق. فالبحر قد يصنع ضجيجًا كثيرًا، لكن الأرض وحدها تكشف اتجاه الحرب.