ليس سرًّا أن الأزمة اليمنية، التي دخلت عقدها الثاني، لم تعد مجرد نزاع محلي على السلطة والشرعية، بل تحولت إلى ساحة مكشوفة لتسوية حسابات إقليمية ودولية معقدة. فما يجري في صنعاء وعدن ومأرب ليس انعكاسًا لإرادة الداخل بقدر ما هو ترجمة حرفية لتجاذبات القوى الكبرى والصغرى على مقاس مصالحها الاستراتيجية. وإذا أردنا قراءة التاريخ الحديث للأزمة بصدق، فسنكتشف أن اليمنيين كانوا، ولا يزالون، مجرد متفرجين على مشهدٍ كُتبت فصوله في عواصم القرار الخارجي.
المشهد الأول: تفاهمات الطاولة المستديرة
مع مطلع عام 2019، بدا أن الجميع توافقوا على "حل" هندسي للأزمة، أشبه بتقطيع الكعكة اليمنية حسب نفوذ الرعاة. ففي الجنوب، قُسِّمت المحافظات بين الإمارات والسعودية، كأنها ولايات تحت الوصاية. وفي الشمال، أُسندت مأرب وتعز والبيضاء للإخوان، بينما ترك الباقي للحوثيين. كان هذا الترتيب، بكل ما فيه من تبسيطٍ مخلٍّ للتعقيد اليمني، دليلاً قاطعاً على أن الأطراف المحلية لم تكن سوى أدوات لتنفيذ أجنداتٍ لا تمتّ لليمن بصلة.
لكن سرعان ما انكشفت هشاشة هذا البناء، حين أقدم الإخوان في أغسطس 2019 على مغامرة عسكرية فاشلة في الجنوب، محاولين فرض أمر واقع جديد. حينها، لم يتم معاقبتهم على مبدأ "الفوضى"، بل تم التعديل في التفاهمات ببساطة، وكأن الأمر أشبه بتصحيح خطإ مطبعي: استُبدل الإخوان بـ"العفافيش" في معادلة تسليم مأرب وتعز. وهنا يكمن السؤال المحرج: هل كان اليمن مجرد ورقة قابل للتعديل حسب أهواء الفاعلين؟
الجمود والضوء الأخضر
مع نهاية عام 2025، وبعد سنوات من المماطلة، وصل ملف حضرموت وشبوة والمهرة إلى طريق مسدود، فكان القرار الحاسم منح المجلس الانتقالي الضوء الأخضر لتحريرها بالقوة. هذا التحول لم يكن انتصارًا لإرادة شعبية جنوبية بقدر ما كان توافقًا خارجيًا على تغيير أدوات النفوذ. لكن المفارقة الأكبر كانت في مطلع 2026، حين توقف كل شيء فجأة، وكأن أحدًا قد ضغط على زر الإيقاف.
هذا التجميد الغامض كشف الوجه الحقيقي للأزمة. البعض أرجع الخلاف إلى شرخٍ إماراتي-سعودي، والبعض الآخر رأى فيه أبعادًا أمريكية-بريطانية يلوح في أفقها الطموح السعودي الإسرائيلي. لكن ما يهمنا نحن اليمنيين ليس طبيعة الخلاف، بل حقيقة أن هذه القوى تتشاجر على غنائمنا، ثم تتصالح دون أن تترك لنا أي خيار سوى انتظار ما ستؤول إليه تسوياتها.
الحقيقة الموجعة: ما وراء الأطماع
غير أن الأعمق والأخطر في هذه اللعبة، هو ما تتوارى عنه التفاهمات العلنية: فلن يسمح هؤلاء الأطراف للجنوبيين باستعادة دولتهم المستقلة على حدود ما قبل عام 1990، أي جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، مهما كانت تطلعات الشعب الجنوبي مشروعة ومُلحّة. كما لن يسمحوا للحوثيين باستعادة حكم الإمامة في الشمال، أو ما عُرف قبل عام 1990 بالجمهورية العربية اليمنية، مهما بلغت أحلامهم التاريخية. القوى الكبرى لا تحارب من أجل مشاريع الشعوب، بل من أجل مصالحها؛ هي لا تريد يمنًا قويًا موحدًا، ولا تريد يمنين مستقلين، بل تريد يمنًا ضعيفًا ممزقًا يُدار وفق مزاجها، ويخدم أجنداتها البعيدة.
ومن المؤلم أن القاعدة الذهبية في هذه المعادلة هي: من يعمل على تحقيق أهداف الخارج وأطماعه، هو من سيُكافأ بتحقيق تطلعاته، لا لأنه الأحق، بل لأنه الأكثر خدماً لأجنداتهم. وهكذا تُصبح الشرعية مجرد غطاء، والعدالة مجرد شعار، والمشروع الوطني مجرد ورقة في مفاوضات القوى العظمى.
الرأي الختامي: البحث عن الحقيقة المرة
الحقيقة التي لا بد من قولها بصوت مرتفع، هي أن حل الأزمة اليمنية لو كان بيد ابناء الجنوب والشمال وحدهم، لانتهى كل شيء في عام 2015. ولكن الأطماع الاستراتيجية للقوى الإقليمية والدولية حوّلت بلدنا إلى سوقٍ للتسويات. هؤلاء الأطراف الخارجية لن يسمحوا بانفراج الملف إلا بعد أن يضمن كل منهم حصته من "الكعكة"، كما يضمن تحقيق أهدافه الجيوسياسية البعيدة، سواءً كانت ثروات وموانئ، أو ممرات ملاحية، أو نفوذًا إقليميًا.
إن المشهد الذي نراه اليوم هو إفلاس أخلاقي وسياسي للمجتمع الدولي، الذي يكتفي بإدارة الأزمة لا بحلها. فنحن أمام صراعٍ دوليٍ يُلعب على أرضنا، وشعبنا يدفع الثمن دمًا وجوعًا وتشريدًا. ولن يخرج الجنوب والشمال من نفق الظلام إلا عندما تتجرأ القوى المؤثرة على الاعتراف بأن استقرار المنطقة يبدأ باحترام إرادة الشعوب، لا بتقسيم الكعكة وتوزيعها على الجياع.
وفي الخلاصة:
يبقى اليمن والجنوب العربي لغزاً لا يحله إلا من يضع مصلحة أهله فوق مصالح دوله؛ فطالما بقي القرار خارج عدن وصنعاء، سيبقى السلام سراباً، والكعكة موضع نزاع. ففي النهاية، لن يسمحوا للجنوب باستعادة دولته، ولن يسمحوا للحوثي باستعادة إمامته؛ لأن الخارج لا يريد يمنًا منتصراً ولا دولتين مستقلّتين كما كان في السابق، بل يريد يمنًا ضعيفاً يُخدم أجنداته. ومن كان أقربَ إلى تحقيق تلك الأجندات، كان أقربَ إلى الحصّة، لا إلى الحقّ. وهكذا، يبقى الشعب وحيداً في انتظار ما لا يأتي، بينما تتقاسم الأمم ما تبقّى من جسده وتاريخه.
الصحفي صالح حقروص
2026/9/3م