الإصلاح.. استراتيجية التخلص من الخصوم وانتظار الخارج

قبل ساعة


ياسر اليافعي
بقلم: ياسر اليافعي
ارشيف الكاتب

لفهم تحركات حزب الإصلاح خلال المرحلة المقبلة، يجب أولاً فهم الطريقة التي ينظر بها إلى خصومه ومستقبل السلطة في اليمن.


الإصلاح لا يرى الحوثي وحده خصماً له. هناك خصوم آخرون ربما يعتبرهم أكثر خطورة على مستقبله السياسي: في الشمال، المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح باعتبارها قوة يمكن أن تنافسه مستقبلاً على صنعاء والسلطة؛ وفي الجنوب، المجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره قوة سياسية وعسكرية ترفض أساساً عودة الهيمنة المركزية على الجنوب.


أما الحوثي، فتبدو حسابات الإصلاح تجاهه مختلفة. فالحزب يدرك أن الحوثي أصبح مشكلة إقليمية ودولية، وأن تمدده بات مرتبطاً بأمن البحر الأحمر والملاحة والمصالح الدولية. ومن هنا يبدو أن هناك رهاناً داخل معسكر الإصلاح على أن الحوثي، مهما تمدد، سيظل في النهاية خصماً ستضطر القوى الإقليمية والدولية إلى مواجهته.


وبمعنى أكثر وضوحاً: لماذا يستنزف الإصلاح نفسه في مواجهة الحوثي إذا كان يعتقد أن العالم سيضطر في النهاية إلى خوض هذه المواجهة؟


هذه العقلية تفسر جانباً من الأسئلة التي رافقت سقوط صنعاء، ثم الانهيارات المتلاحقة في نهم والجوف ومناطق أخرى. جبهات وإمكانات ومواقع استراتيجية ضاعت، بينما كان الحوثي يتقدم ويتحول من جماعة تسيطر على صنعاء إلى قوة عسكرية تهدد الإقليم والملاحة الدولية.


لكن المخا مختلفة.


وجود طارق صالح وقوات المقاومة الوطنية في الساحل الغربي يعني وجود مشروع شمالي مسلح ومنظم خارج عباءة الإصلاح، وقادر مستقبلاً على منافسته في أي ترتيبات سياسية تخص صنعاء والشمال. ولذلك فإن إضعاف هذه القوة يخدم الإصلاح سياسياً، حتى لو كان المستفيد العسكري المباشر من ذلك هو الحوثي.


ومن هنا لا أستبعد سيناريو بالغ الخطورة: أن يتم التعامل مع أي ضغط حوثي على المخا بقدر كبير من البراغماتية، أو ألا تواجه محاولات إضعاف المقاومة الوطنية بالجدية المطلوبة، إذا كانت النتيجة النهائية إخراج طارق صالح من معادلة المنافسة على مستقبل الشمال.


والحساب، وفق هذه القراءة، بسيط: التخلص أولاً من المنافس الشمالي الأكثر تنظيماً، ثم ترك الحوثي يتحول مجدداً إلى مشكلة إقليمية ودولية تستدعي مواجهة أكبر، وبعدها تقديم الإصلاح نفسه باعتباره القوة السياسية والتنظيمية الجاهزة لملء الفراغ.


وفي الجنوب تبدو الحسابات متشابهة. فالمجلس الانتقالي الجنوبي يمثل العقبة الأكبر أمام أي محاولة لإعادة إنتاج سلطة مركزية تهيمن على الجنوب من صنعاء. ولذلك فإن إضعاف الانتقالي أو إخراجه من معادلة السلطة لا يخدم خصومه المحليين فقط، بل يفتح الباب أمام القوى التي لا تزال تعتقد أن بإمكانها إعادة الجنوب إلى معادلات ما قبل الحرب.


رهان جديد على السعودية وتركيا وباكستان


لكن حسابات الإصلاح لا تتوقف عند الداخل اليمني. فهناك متغير إقليمي جديد ربما تراهن عليه جماعة الإخوان المسلمين في إعادة ترتيب أوراقها، يتمثل في التقارب بين السعودية وتركيا وباكستان.


الإصلاح، باعتباره أبرز القوى اليمنية المحسوبة على تيار الإخوان المسلمين، قد ينظر إلى هذا التقارب باعتباره فرصة لإعادة الجماعة إلى واجهة المشهد بعد سنوات من التراجع. فتركيا تمتلك تاريخاً من العلاقات السياسية مع قوى إسلامية، وباكستان تمتلك ثقلاً عسكرياً وأمنياً مهماً في الإقليم، بينما تظل السعودية صاحبة التأثير الأكبر في الملف اليمني.


ومن هنا قد يتشكل لدى قيادات الإصلاح اعتقاد بأن التقاء مصالح هذه الدول سيمنحهم مظلة إقليمية جديدة يستطيعون من خلالها استعادة ما خسروه خلال السنوات الماضية.


وهذا ربما يفسر جانباً من الثقة المتزايدة لدى بعض القوى المحسوبة على الإخوان، وكأن هناك قراءة تقول إن مرحلة جديدة بدأت: يُضعف فيها الانتقالي جنوباً، وتُحاصر المقاومة الوطنية وطارق صالح شمالاً، ثم يبقى الحوثي باعتباره الخصم الذي يمكن لاحقاً استدعاء الإقليم والعالم لمواجهته.


إذا كانت هذه هي الحسابات فعلاً، فنحن أمام محاولة لإعادة هندسة المشهد اليمني لا مجرد مواجهة الحوثي؛ أي التخلص تدريجياً من القوى المنافسة للإصلاح، ثم انتظار اللحظة التي يستطيع فيها الحزب تقديم نفسه للسعودية والإقليم والمجتمع الدولي باعتباره القوة المنظمة والجاهزة لملء الفراغ.


وهنا قد يقع الإصلاح في خطأ جوهري: الاعتقاد بأن التقارب السعودي–التركي–الباكستاني هو بالضرورة تحالف لتمكين الإخوان المسلمين. فالدول تتحرك وفق مصالحها وأمنها القومي، وقد تتقاطع مصالحها مع تيار سياسي في مرحلة ثم تفترق عنه في مرحلة أخرى.


الوهم الكبير


المشكلة أن هذه الاستراتيجية، إذا كانت بالفعل ما يراهن عليه الإصلاح، تقوم على سلسلة من الأوهام: أن إضعاف الانتقالي سيعيد الجنوب إلى قبضته، وأن سقوط طارق صالح سيجعله الممثل الوحيد للقوى المناهضة للحوثي في الشمال، وأن العالم سيخوض لاحقاً المعركة مع الحوثيين، وأن التقارب الإقليمي الجديد سيعيد الإخوان إلى السلطة.


لكن اليمن الذي تقوم عليه هذه الحسابات لم يعد موجوداً.


الجنوب اليوم يمتلك قضية سياسية وقوى عسكرية وإرادة شعبية لا يمكن تجاوزها بقرار حزبي أو تفاهم إقليمي. والشمال نفسه لم يعد ساحة يتنافس عليها الحوثي والإصلاح وحدهما، بل أصبح مليئاً بقوى ومصالح ومراكز نفوذ صنعتها سنوات الحرب.


كما أن المجتمع الدولي ليس جيشاً احتياطياً لأي حزب يمني، ولن يخوض حرباً طويلة ومكلفة ثم يأتي في نهايتها ليسلم مفاتيح صنعاء وعدن لطرف ظل ينتظر الآخرين كي يتخلصوا من خصومه.


والأخطر أن الرهان على إضعاف القوى المناهضة للحوثي يمكن أن يؤدي إلى نتيجة معاكسة تماماً لما يتصوره أصحابه: حوثي أقوى، وجبهة مناهضة له أكثر تفككاً، وصراع داخلي أوسع، ويمن أكثر بعداً عن أي تسوية مستقرة.


لذلك، إذا كان الإصلاح يعتقد أن الطريق إلى السلطة يمر عبر إضعاف الانتقالي، والتخلص من طارق صالح، والاستفادة من الحوثي مؤقتاً، ثم انتظار السعودية وتركيا وباكستان والعالم لإعادة ترتيب اليمن وتسليمه السلطة، فهو لا يبني استراتيجية للمستقبل، بل يكرر العقلية نفسها التي ساهمت في إنتاج الكارثة.


الإصلاح يراهن على عودة الزمن إلى الوراء، بينما اليمن والمنطقة يتحركان إلى الأمام وهذا ملخص الحكاية.


#ياسر_اليافعي