أمهات الأمس.. حين كانت الأمية لا تمنع التربية

قبل ساعة


فردوس العلمي
بقلم: فردوس العلمي
ارشيف الكاتب

كلما رأيت أمًّا تشتكي من صعوبة تربية أبنائها في هذا الزمن، أتذكر أمهاتنا وكيف كنّ يربين أبناءهن في زمن كانت فيه كثير من الأمهات أميات لا يجدن القراءة والكتابة، ومع ذلك كنّ ينجحن في أداء واحدة من أصعب المهام: صناعة جيل يعرف قيمة العلم، ويحترم الأسرة، ويعرف معنى المسؤولية.


لم تكن أمهاتنا يملكن الشهادات الجامعية، لكنهن امتلكن ثقافة الحياة، والحكمة، والصبر، والحضور الدائم في تفاصيل أبنائهن.


كانت الأم تقف إلى جانب أبنائها أثناء المذاكرة والامتحانات، حتى وإن كانت لا تستطيع قراءة ما في الكتب. كان مجرد جلوسها بجانبهم ومتابعتها لهم يمنحها هيبة، ويشعر الأبناء بأن هناك من يراقب دراستهم ويهتم بمستقبلهم. وكانت أدوات التربية والرقابة في ذلك الزمن حاضرة أيضًا؛ من

(( الحزام إلى العصا أو «الخيزرانة»،)) وهي أساليب تربوية كانت شائعة آنذاك، وإن كنا اليوم ندرك أن التربية يمكن أن تقوم على الحوار والتوجيه دون عنف.


كانت أمهات الأمس يتابعن أبناءهن في المدرسة. وما إن يعود الابن من المدرسة حتى تفتح الأم حقيبته ودفاتره، لتعرف ماذا درس وماذا كتب. وإذا لم تجد شيئًا جديدًا في الدفتر، تسأله ببساطة: «لماذا لم تكتب اليوم؟».


وكانت الأم تزور المدرسة، وتعرف معلمي أبنائها، وتتابع كل ما يتعلق بدراستهم، لأن التعليم بالنسبة لها لم يكن مسؤولية المدرسة وحدها، بل مسؤولية الأسرة أيضًا.


أما اليوم، وللأسف، فقد ابتعد بعض الآباء والأمهات عن تفاصيل حياة أبنائهم الدراسية. قد لا تعرف بعض الأسر ماذا يدرس أبناؤها، ولا متى اختباراتهم، ولا ما الذي يشغلهم أو يؤرقهم، بل إن بعض الآباء قد لا يعرفون حتى المرحلة الدراسية التي يدرس فيها أبناؤهم!


وهنا تكمن المفارقة؛ فلدينا اليوم أمهات وآباء يحملون الشهادات الجامعية، وبعضهم يحمل شهادات عليا، لكن الشهادة وحدها لا تصنع أبًا أو أمًّا ناجحين في التربية.


أمهاتنا علّمننا دون ورقة وقلم. علّمننا بثقافتهن الدينية، وعاداتهن وقيمهن، وحكمتهن وأمثالهن الشعبية، وبقصصهن وتجاربهن. كنّ يجعلن المستقبل حاضرًا أمام أعيننا، ويهيئننا له بما يملكن من خبرة وحكمة.


وكانت الأم قريبة من بناتها، كما كان الأب قريبًا من أبنائه وبناته. وعندما يقترب أحد الأبناء من الزواج، تبدأ الأسرة في توعيته وتعليمه معنى الزواج ومسؤولياته وواجباته، فلا يدخل الحياة الزوجية وهو يجهل أبسط قواعدها.


ولعل هذا القرب الأسري كان أحد أسباب استقرار كثير من الزيجات في الماضي؛ فقد كانت هناك زيجات امتدت ثلاثين وأربعين عامًا، لأن الأسرة كانت حاضرة، والنصيحة موجودة، والصبر قيمة، وتحمل المسؤولية جزءًا من التربية.


أما اليوم، فقد أصبحت المسافة بين بعض الأمهات وبناتهن، وبين الآباء وأبنائهم، أكبر من أي وقت مضى. وأصبح كثير من الأبناء يعيشون تفاصيل حياتهم بعيدًا عن أسرهم، وهو ما ينعكس على علاقاتهم ودراستهم واختياراتهم، وربما على حياتهم الزوجية أيضًا.


نرى طلابًا يلجؤون إلى الغش، وكأنهم يريدون النجاح بأي وسيلة، دون أن يدركوا أن الغش لا ينجح صاحبه في الحياة، بل يؤجل فشله. ونرى أبناء يكرهون التعليم، ويبحثون عن العمل قبل أن يكتمل تعليمهم، ونرى آخرين يعتمدون على أسرهم في كل شيء، دون أن يتعلموا معنى الاستقلال وتحمل المسؤولية.


ونرى فتيات صغيرات يدفعن أحيانًا ثمن قرارات زوجية متسرعة، فتكون الزيجات قصيرة، وتأتي تبعاتها قاسية على الجميع.


المشكلة إذن ليست في أن أمهات الأمس كنّ أفضل لمجرد أنهن أميات، ولا في أن أمهات اليوم سيئات لأنهن متعلمات؛ فالتعليم نعمة، والشهادة قيمة، لكن التربية شيء آخر.


أمهات الأمس ربما لم يملكن الشهادات، لكن كثيرًا منهن امتلكن الوقت والحضور والاهتمام، وكان أبناؤهن يعرفون أن هناك عينًا تراقب، وقلبًا يخاف عليهم، ويدًا تمتد بالنصيحة والتوجيه.


أما اليوم، فنحن بحاجة إلى أن نعيد شيئًا من ذلك القرب، وأن ندرك أن تربية الأبناء ليست مهمة المدرسة وحدها، وليست مسؤولية الهاتف أو وسائل التواصل الاجتماعي.


الأبناء لا يحتاجون فقط إلى أم متعلمة وأب يحمل الشهادات؛ بل يحتاجون قبل كل شيء إلى أم وأب حاضرين في حياتهم، يسمعونهم، يتابعونهم، يوجهونهم، ويمنحونهم الحب والوقت والقدوة.


فالتربية الحقيقية لا تُقاس بعدد الشهادات التي يحملها الآباء، وإنما بما يزرعونه في أبنائهم من قيم وعلم ومسؤولية.


لوجه الله كونوا قريبين من ابنائكم فالوقت لم يعد نفس الوقت فتغيراته الزمن مخيفه. زمان كان الابناء يخجلون من اباءهم وأمهاتهم واليوم. لا يخجلون ولا يخافون إلا من رحم ربي منهم.

/

/

/

/

/

فردوس العلمي = مجرد قلم