الفرصة التي يمنحها الحوثي للقوات الحكومية

قبل 53 دقيقة


د.عارف محمد الحوشبي
بقلم: د.عارف محمد الحوشبي
ارشيف الكاتب

إن التصعيد العسكري الحوثي خلال اليومين الماضيين في غرب تعز والساحل الغربي ليس مجرد هجوم ميداني محدود بل تطور يستحق قراءة أوسع من حدود المواقع التي دارت حولها المعارك فقد شهدت جبهات غرب تعز والساحل الغربي هجمات متزامنة وقصفا صاروخيا وطيرانا مسيرا كبيرا فيما تحدثت مصادر عن تعزيزات حكومية وصلت إلى مناطق المواجهة بينها قوات من العمالقة ودرع الوطن والأهم هنا أن المعركة تبدو مرتبطة بمحاولة الحوثيين الضغط على الطرق والممرات التي تربط تعز بالساحل الغربي والمخا وهو ما يجعل المعركة أبعد من كونها محاولة للاستيلاء على عدد من المواقع العسكرية.


اليوم لا يجب ان نسأل هل يستطيع الحوثي التقدم والسيطرة بضعة كيلومترات؟ ولكن السؤال الأهم هو كيف ستتعامل القوات المسلحة الحكومية مع هذا الهجوم ؟ وهل ستكتفي باستعادة ما خسرته أم ستنقل المعركة إلى مستوى آخر؟ لان استعادة المواقع ليست انتصارا حيث ان هناك فرق جوهري بين إفشال هجوم حوثي واستعادة موقع سقط بيده وبين المبادرة بالهجوم وفرض واقع عسكري جديد من قبل قوات الشرعية، فعندما تتقدم قوات الحوثي ثم تقوم القوات الحكومية بإخراجها من المواقع التي سيطرت عليها فإنها عمليا تعود إلى الوضع الذي كان قائما قبل الهجوم وهذا نجاح دفاعي مهم ولكنه لا يمثل تحولا استراتيجيا على الارض حيث ان التحول الحقيقي يبدأ عندما تنتقل القوات الحكومية من رد الفعل إلى الفعل ومن انتظار الهجوم إلى فرضه ومن استعادة المواقع إلى تحرير مواقع جديدةوهنا تحديدا يمكن فهم أهمية التعزيزات التي وصلت إلى جبهات تعز والساحل الغربي.


هناك ثمة قراءة للاحداث لا يمكن استبعادها فقد يكون التصعيد الحوثي في غرب تعز والساحل الغربي محاولة لتحقيق مكاسب ميدانية وقد يكون في الوقت ذاته محاولة لاستدراج أفضل الوحدات والقوات التابعة للقوات الحكومية نحو هذه الجبهة وبالتالي هنا تظهر فرضية أكثر تعقيدا أن تكون بعض التقدمات الحوثية جزءا من معركة استنزاف أو استدراج وليس بالضرورة الهدف النهائي للعملية فإذا اندفعت القوات الحكومية بكامل ثقلها إلى الغرب فقد يجد الحوثي نفسه قد نجح في جذب جزء مهم من قوات النخبة الحكومية إلى المكان الذي اختاره هو وضربها بكل مالديه، ولكن السيناريو المعاكس ممكن أيضا أن تكون قيادة القوات الحكومية قد قرأت المشهد بالطريقة نفسها وأن ارسال تعزيزات إلى تعز والساحل ليس بهدف الدفاع فقط وإنما لتهيئة الظروف أمام فتح ضغط عسكري في اتجاهات أخرى.


هناك ثلاثة سيناريوهات أمام القوات الحكومية وهي

- السيناريو الأول الدفاع واستعادة المواقع:

وهذا يعني احتواء الهجوم الحوثي ومنع وصوله إلى المخا أو قطع طرق الإمداد ثم استعادة المواقع التي تم السيطرة عليها وهذا السيناريو قد يحقق نجاحا تكتيكيا لكنه لا يغير ميزان المبادرة الاستراتيجية.


- السيناريو الثاني الهجوم المضاد في جبهات الغرب فقط:

أي استغلال اندفاع الحوثيين غربا لتنفيذ هجوم مضاد واسع وتحويل الهجوم الحوثي من محاولة للتقدم إلى فرصة لاستنزاف القوة المهاجمة ثم دفعها إلى الخلف وهذا السيناريو يبدو أكثر منطقية إذا ثبت أن القوات الحكومية استعادت مواقع وبدأت تتقدم في بعض مناطق الغرب


- السيناريو الثالث نقل المعركة إلى جبهات متعددة:

وهذا هو السيناريو الأكثر تأثيرا إذا كانت هناك قدرة سياسية وعسكرية على تنفيذه بمعنى أن لا تكون تعز والساحل الغربي هما المكان الوحيد للمعركة وإنما يتم في الوقت نفسه فتح ضغط عسكري في محاور أخرى بحيث يجد الحوثي نفسه أمام معضلة توزيع قواته بين أكثر من جبهة وعندها يمكن أن تتحول محاولته لتركيز قواته في غرب تعز والساحل إلى نقطة ضعف بدلا من أن تكون نقطة قوة والمفاجأة قد لا تكون في تعز إذ كان الحوثي يتوقع أن ترد القوات الحكومية على هجومه في المكان نفسه فإن الرد الأكثر إيلاما ليس بالضرورة أن يأتي من المكان الذي وقع فيه الهجوم.


وهنا يمكن فهم فكرة أن تكون بعض التطورات الحالية نوعا من الاستدراج المتبادل فالحرب ليست دائما معركة مواقع بل أحيانا تكون معركة قراءة نوايا الخصم وإذا كانت مليشيات الحوثي قد دفعت بقوات كبيرة نحو تعز والحديدة وكما ايضا تشير تقارير إلى انتقال قيادات حوثية للإشراف على معارك الساحل فإن ذلك يعني أن جزءا مهما من الاهتمام الحوثي أصبح مركزا في الغرب وهذه بالضبط هي اللحظة التي يمكن أن تبحث فيها القوات الحكومية عن نقطة أخرى تضرب فيها مركز الثقل الحوثي.


المفارقة السياسية أن التصعيد الحوثي أدى إلى نزوح مدنيين ووقوع ضحايا بينما لا يبدو حتى الآن أن مستوى القلق الدولي المعلن يتناسب مع خطورة التصعيد الإنساني والعسكري وقد تحدثت تقارير عن موجة نزوح جديدة في تعز جراء القتال وربما وبشيء من السخرية يمكن القول إن بعض المسؤولين الدوليين قد تناولوا ادوية القلق اللازمة لكي يتجاهلوا متابعة ما يحدث ولكن من المرجح أن يرتفع مستوى القلق الدولي سريعا إذا انتقلت القوات الحكومية من الدفاع إلى الهجوم والتقدم في أكثر من محور فالمجتمع الدولي في كثير من الأحيان يتحرك بسرعة أكبر عندما تتغير خرائط السيطرة ضد الحوثيين وليس عندما تتأثر حياة المدنيين.


إن المعركة الحالية في غرب تعز والساحل الغربي قد تكون أكبر من مجرد محاولة حوثية للتقدم نحو المخا أو الضغط على الطرق الساحلية بل هي اختبار حقيقي لمدى قدرة القوات الحكومية على تحويل الهجوم الحوثي إلى فرصة استراتيجية للحسم فالخيار الأكثر خطورة هو أن تظل القوات الحكومية في موقع الدفاع تنتظر الحوثي حتى يتقدم ثم تستعيد ما أخذه وتعلن الانتصار العظيم.


واخيرا نقول إن الخيار الأكثر تأثيرا حاليا هو أن تستفيد القيادة العسكرية من انشغال الحوثي بجبهات تعز والحديدة وتدفعه إلى مواجهة أكبر واسع (ليس غربا فقط بل من بالاتحاهات الاربعة) في الوقت نفسه وعندها فقط يمكن أن تتغير المعادلة وبدلا من أن يكون السؤال أين سيتقدم الحوثي؟ سيصبح السؤال أين ستتقدم القوات الحكومية؟ وهنا تحديدا يبدأ الفرق بين إدارة المعركة وصناعة النصر بإذن الله تعالى


✍️ د.عارف محمد الحوشبي