التعليم بين عهدٍ كان يُبنى فيه الإنسان وواقعٍ أصبح فيه مستقبل الأجيال في سلة المهملات

الأحد - 30 أغسطس 2026 - 10:04 م


أسامة أحمد الصبيحي
بقلم: أسامة أحمد الصبيحي
ارشيف الكاتب

كان التعليم في زمنٍ مضى يُعامل باعتباره مشروع وطن، ولم يكن الوصول إلى المدرسة حكراً على أبناء المدن، بل امتدت المدارس إلى القرى والأرياف والمناطق النائية، ووصلت إلى البدو والرحل، لأن من كان في موقع المسؤولية كان يدرك أن بناء مدرسة ليس مجرد تشييد جدران، وإنما بناء إنسان وصناعة مستقبل وطن بأكمله، ولذلك بقيت أسماء قيادات وشخصيات وطنية في ذاكرة الناس والتاريخ، ومنهم الرئيس سالم ربيع علي «سالمين» وغيره ممن ارتبطت مراحل حكمهم بمشاريع واهتمام بالتعليم وبناء المدارس ونشرها في مختلف المناطق، حتى أصبح التعليم يصل إلى أماكن كان الوصول إليها في ذلك الزمن تحدياً كبيراً، واليوم ونحن ننظر إلى واقع التعليم نشعر بحسرة كبيرة؛ فذلك القطاع الذي كان يُنظر إليه باعتباره أساس بناء الدولة أصبح للأسف في سلة المهملات، مدارس تغلق أبوابها، مدارس تفتقر إلى أبسط المقومات، معلم يعاني التهميش، وطلاب تتقطع بهم سبل الدراسة، بينما الأموال تُهدر هنا وهناك، والملايين تُصرف على المسؤولين وأصحاب النفوذ والامتيازات، وكأن بناء الإنسان لم يعد ضمن أولويات الدولة. والأسوأ من ذلك أن سنوات الحرب والصراع لم تكتفِ بتدمير المنشآت وتشريد الأسر، بل دفعت بالمعلم والطالب إلى الجبهة، فتحول كثير ممن كان يفترض أن يحملوا القلم والكتاب إلى حمل السلاح، وأصبح جيل كامل يدفع ثمن أخطاء وصراعات لم يخترها، في وقت كان يفترض أن يكون فيه داخل المدارس والجامعات يتعلم ويبني مستقبله ومستقبل وطنه. وهنا السؤال الذي يجب أن يُطرح على كل مسؤول وقيادي وصاحب قرار: بماذا سيذكركم التاريخ؟ هل سيقول الناس إن المسؤول الفلاني بنى مدرسة في قرية نائية؟ هل سيقال إن القائد الفلاني أعاد فتح مدرسة كانت مغلقة؟ هل سيقال إن المسؤول الفلاني دعم المعلمين وأنقذ جيلاً من الضياع؟ هل ستُكتب أسماؤكم يوماً بجانب مشروع تعليمي انتفع منه مئات وآلاف الأطفال؟ أم أن كل ما سيبقى من سنوات مسؤوليتكم أرقاماً في كشوفات المخصصات والامتيازات ومكاتب فاخرة لا يعرف المواطن ماذا قدمت له؟ إن التاريخ لا يخلد المناصب ولا يحفظ الكراسي، وإنما يخلد الأثر، ومن أراد أن يخلد اسمه فليترك وراءه مدرسة، أو جامعة، أو مشروعاً تعليمياً، أو معلماً أعانه على أداء رسالته، أو طفلاً أعاده إلى مقعد الدراسة، لأن المدرسة التي تبنيها اليوم قد تخرج غداً طبيباً ومهندساً وقائداً ومعلماً يخدم وطنه لعشرات السنين، وتلك هي البصمة التي تستحق أن يُخلد بها اسم صاحبها. يا مسؤولينا، اتقوا الله في هذا الوطن، وأعيدوا للتعليم مكانته قبل أن نخسر ما تبقى من الأجيال، اجعلوا لكم بصمة حقيقية يذكرها الناس بالخير ويكتبها التاريخ في صفحاته، فبدلاً من أن يقال بعد سنوات إن المسؤول الفلاني مرّ من هنا وانتهى، اجعلوا الناس تقول: هنا مرّ مسؤول فبنى مدرسة، وهنا مرّ قائد ففتح باباً للعلم، وهنا وقف رجل مسؤول فأنقذ جيلاً من الجهل والضياع. تلك هي السلطة التي تستحق الاحترام، وذلك هو الإرث الذي يبقى بعد رحيل صاحبه، أما المال والمناصب والامتيازات فكلها زائلة، ولن يبقى للإنسان في النهاية إلا أثره، والتعليم هو أعظم أثر يمكن أن يُترك لهذا الوطن.