نادرا ما كانت الحاجة إلى دبلوماسية يمنية فعالة ومهنية أكثر إلحاحا مما هي عليه اليوم. فاليمن يحترق بفعل حرب لم تحسم، ويواجه تحديات سياسية واقتصادية وإنسانية وأمنية متشابكة، الأمر الذي يجعل الدبلوماسية إحدى أهم أدوات الدولة في الدفاع عن مصالحها، وشرح قضيتها، وحشد الدعم لها، وحماية صورتها ومكانتها في الخارج..
ومن هنا، فإن قوة وزارة الخارجية لا تقاس فقط بمواقفها وبياناتها، وإنما أيضا بما تنتجه من معرفة مؤسسية ومرجعيات مهنية يستند إليها دبلوماسيوها في أداء أعمالهم. ولهذا تحديدا يستحق "دليل المبعوث الدبلوماسي" الصادر عن دائرة التخطيط والبحوث في وزارة الخارجية، والذي وصفه التعميم الوزاري رقم (ط7/2026/215) الصادر في 29 يونيو 2026 بأنه "مرجع عملي ومهني للمبعوثين الدبلوماسيين"، وقفة جادة من معالي وزيرة الخارجية..
فالوثيقة، رغم محدودية حجمها، تتضمن أخطاء وملاحظات لا ينبغي أن تمر في مرجع رسمي موجه إلى المبعوثين الدبلوماسيين، ولا سيما أن بعضها يتعلق بمفاهيم قانونية وبروتوكولية أساسية..
ونحن هنا ليس هدفنا التشهير بمن أعد الدليل، ولا تحميل أشخاص بعينهم مسؤولية كل ما ورد فيه، وإنما لفت انتباه الوزيرة إلى ضرورة تصحيح الوثيقة قبل اعتمادها مرجعا للمبعوثين، حفاظا على هيبة الوزارة ودقة ما يصدر عنها..
سحب الدليل بصورته الحالية وإعادة مراجعته لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره تراجعا أو إدانة لمن أعده، بل باعتباره إجراء مؤسسيا مسؤولا يحمي الوزارة من أن تصبح وثيقة غير دقيقة مرجعا لموظفيها..
ومن المفيد أن يعاد إعداد الدليل بواسطة فريق متخصص يضم خبراء في القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية والبروتوكول والمراسم، مع إخضاعه لمراجعة قانونية وعلمية ولغوية قبل اعتماده من جديد..
فاليمن، في هذه المرحلة الصعبة، بحاجة إلى دبلوماسية أكثر مهنية، وإلى وزارة خارجية تستعيد دورها بوصفها مؤسسة تنتج المعرفة بقدر ما تنتج المواقف..
إن تصحيح هذا الدليل، وإعادة إصداره بصورة تليق بوزارة الخارجية اليمنية، سيكون خطوة صغيرة في حجمها، لكنها كبيرة في دلالتها: دلالة على أن الوزارة تراجع نفسها، وتصحح أخطاءها، وتحمي مرجعياتها المهنية، وتدرك أن كل وثيقة تحمل اسمها تمثل الدولة اليمنية بأكملها..
فالدبلوماسية الفعالة تبدأ من المعلومة الصحيحة، والمرجع الموثوق، والكلمة الدقيقة..