ليس مؤلما أن يشتكي صحفي عادي من سوء معاملة، فذلك يحدث في كل مؤسسة، وقد يكون عابرا ويعالج باعتذار أو تصحيح موقف. لكن أن يكون صاحب الشكوى الأستاذ محبوب علي، أحد الأسماء المعروفة في الصحافة اليمنية والعربية، ونقيبا سابقا للصحفيين، وصاحب حضور مهني وثقافي ممتد، ثم يجد نفسه مضطرا للشكوى من سوء التقدير والمعاملة، فهنا لا تعود القضية قضية مكتب أو موظف استقبال أو مديرة مكتب..
هنا تصبح القضية أكبر بكثير.
إنها قضية كيف تنظر السلطة إلى القامات التي صنعت جزءا من الوعي العام، وكيف تعامل أصحاب الخبرة والمعرفة، ومن تختارهم ليمثلوا مؤسساتها، ومن تضعهم في مواقع القرار والتعامل مع الناس..
المسؤول الحقيقي عن الذي جرى للأستاذ محبوب ليست مديرة مكتب الشعيبي، بل صاحب المكتب الذي كان بإمكانه أن يقف إجلالا للقامة التي تقف بين يديه بدلا من إحالته إلى مديرة مكتبه التي لا تعرف من الدولة إلا باب مكتبها..
لقد أصبحنا، للأسف، أمام مشهد يبعث على المرارة: كلما ارتفع شأن الإنسان في المعرفة والخبرة والتجربة، وجد نفسه خارج دوائر القرار، بينما يتقدم إلى الصفوف الأولى أشخاص لا يملكون من مقومات الحضور إلا قربهم من المسؤول، أو قدرتهم على التصفيق، أو إجادتهم للوقوف في المكان الصحيح في اللحظة المناسبة..
وهنا تحديدا تكمن الكارثة.
ليست المشكلة في موظفة صغيرة أخطأت التقدير المشكلة في منظومة تقدير كاملة تبدو وكأنها فقدت بوصلتها. فما قيمة المؤسسات إذا كانت لا تعرف قيمة الرجال؟ وما معنى الحديث عن بناء الدولة، إذا كانت الدولة نفسها لا تعرف كيف تحترم أصحاب الخبرة الذين أفنوا أعمارهم في خدمة؟.
محبوب علي ليس بحاجة إلى شهادة من مسؤول، ولا إلى وسام من مكتب، ولا إلى تصريح من موظف حتى يصبح شخصية محترمة. تاريخه المهني هو شهادته، ومسيرته هي تعريفه، وما قدمه للصحافة اليمنية والعربية لا تستطيع نافذة مكتب أن تحجبه..
علينا ألا نضع اللوم كله على مديرة المكتب، التي لا تملك أصلا من التقدير والخبرة ما يجعلها تدرك الفرق بين الناقة والبعير، وإنما نضع السؤال في مكانه الصحيح: على صاحب المكتب نفسه. فالدكتور يحيى الشعيبي يعرف جيدا من هو محبوب علي، ويعرف تاريخه ومكانته وإسهاماته في الصحافة اليمنية، ويعرف أن الرجل ليس مجرد صاحب معاملة عابرة يمكن إحالته إلى موظفة لتقرر كيف تستقبله أو كيف تتعامل مع مطلبه. ألم يكن بوسعه أن يتولى أمره بنفسه؟.