مستشفى الصين . . بين حق عدن في العلاج وحقها في ذاكرتها

الخميس - 13 أغسطس 2026 - 08:40 ص


ماهر باهديلة
بقلم: ماهر باهديلة
ارشيف الكاتب

رسالتي إلى معالي وزير الدولة محافظ العاصمة عدن رئيس السلطة المحلية بالعاصمة عدن أ. عبدالرحمن شيخ أكتب إليكم اليوم لا من موقع الخصومة مع مشروع مركز علاج الحروق، ولا اعتراضاً على إنشاء منشأة صحية تحتاجها عدن، بل أكتب إليكم من موقع مواطن من أبناء عدن وكريتر تحديداً، ممن عرفوا مستشفى الصين «الكنين» واستفادوا من خدماته، ويحملون لهذا المكان ذاكرة شخصية واجتماعية لا يمكن اختزالها في جدران قديمة.

ولهذا أعتقد أن من حقنا أن نتساءل، وأن يكون السؤال هادئاً ومهنياً، وأن تكون الإجابة كذلك.

أنا مع مركز متخصص لعلاج الحروق، ومع كل مشروع صحي حقيقي يخدم عدن، لكنني في الوقت نفسه مع أن يتم التعامل مع أرض مستشفى الصين وذاكرته بمنتهى المسؤولية الهندسية والإدارية والتاريخية.

وقد قرأت توضيح المهندس فتحي علوي السقاف، مدير الوحدة التنفيذية للمشروعات الممولة خارجياً، حول المشروع، وهو توضيح مهم ويستحق التقدير؛ لأنه قدم للرأي العام معلومات عن طبيعة المشروع ومكوناته وتمويله والجهة المنفذة، وأوضح أن اختيار موقع مستشفى الصين جاء بعد اعتبار المبنى متهالكاً وغير قابل لإعادة التأهيل.

وهنا تحديداً تبدأ الأسئلة المهنية، لا الاتهامات.


أولًا: من الناحية الهندسية

بحسب ما ورد في التوضيح، فإن مشروع مركز الحروق سيقام على مساحة تقارب 2200 متر مربع، منها نحو 1400 متر مربع للمبنى الرئيسي، إضافة إلى مبنى الخدمات والمولد والمضخات والمواقف ومساحات الحركة والخدمات.

كما أوضح المهندس أن هذه ستكون المرحلة الأولى، وأن الأساسات مهيأة لثلاثة أدوار مستقبلية.

ومن الصورة التصميمية التي أُرفقت بالتوضيح، يبدو أن الـ1400 متر مربع هي في الأساس بصمة المبنى الرئيسي ضمن الموقع الحالي، بينما بقية الـ800 متر تقريباً تدخل فيها الخدمات والمواقف والحركة والمرافق المساندة.

وهذا من حيث المبدأ لا أراه هدراً للمساحة؛ فالمرافق الطبية المتخصصة، وبالذات مراكز الحروق، تحتاج إلى متطلبات خاصة للطوارئ والإسعاف والغازات الطبية والتكييف ومكافحة الحريق والخدمات الكهربائية والميكانيكية، ولا يجوز هندسياً التعامل مع كل متر غير مبني باعتباره مساحة مهدرة.

لكن السؤال الهندسي والتخطيطي الأكبر يبقى قائمًا:

إذا كانت مساحة موقع مستشفى الصين تاريخيًا تقارب 4918 متراً مربعاً، فلماذا تبلغ مساحة الموقع الحالي للمشروع نحو 2200 متر مربع فقط؟

نحن نتحدث حسابياً عن فارق يقارب 2718 متراً مربعاً.

وهذه ليست مساحة هامشية.

ولا أطرح هذا الرقم لأقول إن هناك هدراً، لأن ذلك يحتاج إلى مخطط مساحي رسمي يحدد الحدود الحالية للأرض وملكيتها وما خصص منها للمشروع.

لكنني أطرح السؤال:

أين تقع هذه المساحة المتبقية؟

وما مصيرها؟

وهل ستظل مخصصة للخدمة الصحية؟


ثانيًا: من الناحية التخطيطية

إذا كان مشروع مركز الحروق هو المرحلة الأولى كما ورد في توضيح المهندس فتحي السقاف، فهذه نقطة إيجابية يمكن البناء عليها، وليس مجرد عبارة عابرة.

فلماذا لا تُعلن للرأي العام الرؤية الكاملة للموقع؟

نريد أن نعرف:

ما حدود الأرض الحالية لموقع مستشفى الصين؟

ما المساحة التي دخلت فعليًا ضمن مشروع مركز الحروق؟

ما المساحة التي بقيت خارج المشروع؟

هل الـ2200 متر مربع هي مساحة الأرض المخصصة للمشروع أم مساحة أخرى وفق التعريف الهندسي للمشروع؟

هل الـ1400 متر مربع هي بصمة الدور الأرضي أم إجمالي المساحة المبنية؟

ما الذي تعنيه المرحلة الأولى تحديدًا؟

هل التوسع المستقبلي سيكون رأسيًا فقط إلى ثلاثة أدوار؟

أم أن هناك مراحل لاحقة لاستثمار بقية أرض المستشفى في منشآت صحية أخرى؟

هذه ليست أسئلة تشكيك، وإنما أسئلة تخطيطية طبيعية في أي مشروع عام كبير.

بل أذهب إلى أبعد من ذلك:

إذا كانت الأرض ما زالت بكامل مساحتها، فلماذا لا تكون هناك رؤية لمجمع صحي متكامل في موقع مستشفى الصين، يكون مركز الحروق نواته الأولى، وتُستثمر المساحة المتبقية مستقبلًا في أقسام وخدمات صحية تحتاجها صيرة وعدن؟

فالأرض الصحية داخل كريتر قيمة استراتيجية يصعب تعويضها.


ثالثًا: التقرير الذي قال إن المبنى «لا يمكن إعادة تأهيله مطلقًا»

هنا أعتقد أن هذه الجملة تحديداً تحتاج إلى توثيق، ليس لأنني أشكك في المهندسين، وإنما لأنني أحترم العمل الهندسي.

عندما يقال إن مبنى قائم «لا يمكن إعادة تأهيله مطلقًا»، فهذه نتيجة هندسية يفترض أن تستند إلى تقرير واضح يبين:

الحالة الإنشائية للمبنى.

نتائج الفحوصات.

مستوى الضرر والتدهور.

مدى إمكانية التدعيم والترميم.

مقارنة تكلفة الترميم مع تكلفة الهدم وإعادة البناء.

مدى توافق المبنى القديم مع الاشتراطات الطبية الحديثة.

وأسباب استبعاد خيار الترميم أو الحفاظ على أجزاء منه.

لذلك أتمنى من معاليكم التوجيه بنشر ملخص التقرير الهندسي أو نتائج التقييم الإنشائي للرأي العام.

فهذا لن يضعف المشروع، بل على العكس، سيحميه من التأويلات ويعطي القرار الهندسي مشروعيته أمام الناس.


رابعًا: الذاكرة العدنية لا تعني رفض التطوير

أقولها بوضوح:

ليس كل مبنى قديم يجب أن يبقى لمجرد أنه قديم، وليس كل مبنى جديد يمثل تقدماً لمجرد أنه جديد.

المعيار هو:

ما الذي يمكن الحفاظ عليه؟

وما الذي يتعذر الحفاظ عليه؟

وما البديل الأفضل؟

ومستشفى الصين ليس مجرد مبنى؛ فقد كان جزءاً من حياة أجيال من أبناء كريتر وعدن، ومنهم من ولد فيه، ومنهم من عولج فيه، ومنهم من ارتبطت ذاكرته العائلية به.

ولهذا كان من الممكن ـ إن كانت حالته الإنشائية تستحيل معها إعادة استخدامه ـ أن تُدرس أيضاً خيارات الحفاظ على بعض عناصره المعمارية أو واجهاته أو رموزه أو توثيق تاريخه بصورة تحفظ للموقع هويته.

والجميل أن المهندس فتحي السقاف أوضح أن معالي المحافظ، بعد الاطلاع على التصميم، وجه مهندسي UNOPS إلى إعادة تصميم الواجهات والنوافذ بما يتناسب مع العمارة العدنية المميزة.

وهذا في رأيي موقف إيجابي ينبغي البناء عليه.

فإذا كنا قد حرصنا على أن يحمل المبنى الجديد روح العمارة العدنية، فمن الممكن أيضاً أن نسأل:

كيف نحافظ على ذاكرة مستشفى الصين داخل المشروع الجديد؟

قد يكون ذلك من خلال الحفاظ على بعض العناصر، أو إنشاء لوحة توثيقية ومتحف مصغر، أو توثيق تاريخ المستشفى، أو تسمية المبنى باسمه التاريخي، أو أي معالجة معمارية تحفظ ذاكرة المكان.


خامسًا: إدارياً وقانونياّ

هناك سؤال آخر لا يقل أهمية عن السؤال الهندسي:

من الجهة التي اعتمدت إزالة المبنى؟

وما التسلسل الإداري للموافقات التي سبقت الهدم؟

ليس المقصود هنا توجيه اتهام إلى مدير مديرية أو جهة بعينها، وإنما معرفة المسار الرسمي:

هل صدر قرار من الجهة المالكة؟

هل توجد موافقة من السلطة المحلية؟

هل تم التنسيق مع مكتب الصحة والجهات الهندسية؟

هل تمت مراجعة الوضع التاريخي والمعماري للمبنى؟

وهل توجد مخططات ملكية ومساحية حديثة توضح كامل أرض المستشفى؟

هذه الوثائق، إذا كانت موجودة، ستضع القضية في إطارها الصحيح وتنهي كثيرًا من الجدل.


معالي المحافظ . .

أعتقد أن أمامكم فرصة لتحويل قضية مستشفى الصين من قضية خلاف إلى نموذج في الإدارة الرشيدة والشفافية.

لا أحد يريد أن يخسر مركز الحروق.

ولا أعتقد أن أبناء عدن سيقفون ضد منشأة تنقذ حياة المصابين بالحروق.

لكن في المقابل، لا نريد أن نخسر ذاكرة المكان دون أن نعرف لماذا خسرناها، ولا نريد أن نكتشف بعد سنوات أن جزءاً من أرض مستشفى الصين قد خرج من الاستخدام الصحي دون أن تكون هناك رؤية معلنة وواضحة.

ولهذا فإن طلبي منكم ليس إيقاف مشروع مركز الحروق، وإنما:

أولاً:

نشر أو إتاحة ملخص التقييم الهندسي الذي أثبت عدم إمكانية إعادة تأهيل المبنى القديم.

ثانياً:

نشر المخطط العام للموقع، موضحاً كامل مساحة أرض مستشفى الصين وحدودها ومساحة الـ2200 متر المخصصة للمشروع.

ثالثاً:

توضيح مصير المساحة المتبقية، وما إذا كانت ستظل مخصصة للخدمات الصحية.

رابعاً:

إعلان الرؤية المستقبلية للمراحل اللاحقة للمشروع، خصوصًا أن التصريح الرسمي وصف مركز الحروق بأنه «المرحلة الأولى».

خامساً:

دراسة إمكانية استثمار بقية الموقع مستقبلاً في مجمع صحي متكامل يخدم كريتر، تكون وحدة الحروق نواته الأولى.

سادساً:

حفظ وتوثيق ذاكرة مستشفى الصين «الكنين»، والاستفادة من عناصره المعمارية والتاريخية قدر الإمكان في المشروع الجديد.

سابعاً:

إتاحة المعلومات الأساسية للرأي العام، لأن الشفافية في المشاريع العامة لا تعطل التنمية، بل تحميها.


كلمة أخيرة من ابن كريتر معالي المحافظ . .

أنا لا أنظر إلى مستشفى الصين باعتباره جدراناً هُدمت، وإنما باعتباره جزءاً من ذاكرة مدينة عشت فيها وعرفت ناسها واستفدت من خدمات هذا المستشفى مثل كثير من أبناء عدن.

وأعرف أيضاً أن عدن اليوم بحاجة إلى مستشفيات ومراكز متخصصة أكثر من حاجتها إلى الحنين وحده.

لذلك لا أريد أن نضع الصحة في مواجهة التراث.

أريد أن نكسب الاثنين معًا.

نريد مركز حروق حديثاً يليق بعدن، ونريد في الوقت نفسه أن تبقى عدن قادرة على حماية ذاكرتها، ونريد أن تُستثمر أرض مستشفى الصين بأفضل صورة ممكنة لخدمة الناس، لا أن تكون مجرد مشروع منفرد ينتهي عند حدود المبنى.

إن كان المبنى القديم قد أصبح غير قابل للتأهيل، فليكن ذلك مثبتاً بالتقرير الهندسي.

وإن كان الهدم ضرورة، فليكن واضحاً سنده ومساره.

وإن كانت الأرض كبيرة، فلتكن لها رؤية صحية متكاملة.

وإن كان المشروع مرحلة أولى، فلنعرف ما هي المرحلة الثانية والثالثة.

وإن كان المبنى قد رحل، فلا ينبغي أن ترحل معه ذاكرة المكان.

هذه ليست معارضة لمشروع مركز الحروق.

هذه رسالة من ابن عدن إلى مسؤول عدن الأول:

ابنِ لنا مركز الحروق، لكن ابنِ معه ثقة الناس.

واستثمر الأرض، لكن لا تترك مستقبلها بلا رؤية.

وطوّر المدينة، لكن لا تجعل التطوير سبباً في فقدان ذاكرتها.


مع خالص الاحترام والتقدير لمعاليكم، وللمهندسين والجهات المانحة والمنفذة لكل جهد يستهدف تحسين الخدمات الصحية في العاصمة عدن.


أ. ماهر محمد سالم باهديلة