فـي المشهد اليمني، ثمة حقيقة باتت أكثر وضوحًا من أن تُوارَى خلف التفاصيل، وهي أن الطريق إلى الخلاص لا يزال يصطدم، في كل مرة، بذات العائق: تـعدد الـرؤى حين يكون الوطن في أمسّ الحاجة إلى رؤية واحـدة، وتـعدد مراكز القرار حين تكون الدولة بحاجة إلى مركز قـرار واحـد، وتباين الإرادات في اللحظة التي تستوجب اصطفافًا وطنيًا لا يحـتمل التردد.
ولـعل أكثر ما يختصر حالنا اليمنية الراهنة قولنا: «كلما صَفَتْ غَيَّمَتْ»؛ فكلما لاح في الأفق انفراج، وبدأت ملامح التوافق تقترب، ظهرت في الطريق سحابة جديدة، غالبًا ما يكون مصدرها غياب الانسجام في إدارة المشهد، أو تضارب الأولويات، أو تعدد الجهات التي تتحدث باسم الدولة وتمارس، بدرجات مختلفة، أدوارًا تتصل بالقرار السياسي أو العسكري أو الأمني.
إن الـدول لا تُدار بتعدد الإرادات المتعارضة، ولا تُحمى بتوزع القرار بين مراكز نفوذ مختلفة. وحين تكون الدولة في حالة صراع واستثنائية، تصبح وحدة القرار أكثر من مجرد خيار سياسي؛ إنها شرط من شروط البقاء.
ليـس المطلوب أن تتطابق الآراء، ولا أن تختفي الاختلافات، ولا أن تتحول المؤسسات إلى فضاء للصمت والطاعة العمياء؛ فـالاخـتلاف في الرأي داخل مؤسسات الدولة أمر طبيعي، بل ضروري لصناعة القرار الرشيد.
لـ كن الفارق كبير بين تعدد الآراء داخل غرفة القرار، وتعدد القرارات خارجها.
"الأول يصنع دولـة، والثاني يستـهلكها".
ومـا تحتاجه اليمن اليوم هو الاصطفاف خلف قيادة سياسية واحدة، ومرجعية دستورية ومؤسسية واحدة، وقرار سياسي وعسكري وأمني واحد؛ قرار تتكامل داخله المؤسسات، وتتوزع فيه الاختصاصات وفق القانون، ولا تتنازع فيه السلطات على مساحة الدولة أو حقها الحصري في اتخاذ القرار.
فـ الـقرار السياسي الذي لا تسنده قوة عسكرية وأمنية منضبطة تحت قيادة الدولة، يبقى عرضة للابتزاز والتعطيل.
والـقرار العسكري الذي لا يستند إلى غـطاء سياسي موحـد، قد يتحول من أداة لحماية الدولة إلى عامل إضافي في إرباكها.
أمـا الـقرار الأمني المتعدد، فإنه يفتح الباب أمام تعدد الولاءات، ويجعل المواطن أمام أكثر من سلطة، وأكثر من تعليمات، وأكثر من تفسير للقانون.
وهـنا تكـمن واحدة من أعقد مشـكلات المشهد اليمني: أن الدولة لا تستطيع أن تستعيد عافيتها ما لم تستعد أولًا وحدانية القرار.
فـلا يمكن أن نطلب من المواطن احترام القانون، بينما يرى القانون ذاته يُدار بأكثر من معيار.
ولا يمـكن أن نطالب الموظف بالانضباط المؤسسي، بينما تتداخل مراكز النفوذ فوق المؤسسة.
ولا يمـكن أن نتحدث عن بناء دولة حديثة، فيما القرار السيادي موزع بين قوى ومرجعيات ومصالح لا يجمعها دائمًا إطار واحـد.
إن أخـطر ما يهدد أي مرحلة انتقالية ليس الاختلاف السياسي بذاته، وإنما أن يتحول الاختلاف إلى مراكز قرار متوازية.
فـ حـين تتعدد مصادر القرار السياسي، تضطرب الرسالة إلى الداخل والخارج، وحـين تتعدد مصادر القرار العسكري، تتراجع فاعلية القوة، وحـين تتعدد مصادر القرار الأمني، يصبح الأمن ذاته جزءًا من الأزمة بدل أن يكون أداة لمعالجتها.
وعـليه، فـإن الاصطفاف خلف قيادة واحدة لا يعني إلـغاء الشراكة السياسية، ولا مـصادرة حق القوى الوطنية في إبداء الرأي، ولا إسـقاط حق النقد والمراجعة والمساءلة.
"بـل يعـني أن تكون هناك مرجعية نهائية للقرار، وأن تُمارس الخلافات داخل المؤسسات، لا عبر مؤسسات موازية".
إن الوطـن لا يحتاج اليوم إلى مزيد من مراكز النفوذ بقدر حاجته إلى مركز دولة. ولا يحتاج إلى مزيد من العناوين السياسية بقدر حاجته إلى عنوان وطني جامع. ولا يحتاج إلى مزيد من القرارات المتجاورة بقدر حاجته إلى قرار واحد، واضح، مسؤول، وقابل للمساءلة.
فـ المرحـلة التي تمر بها البلاد لا تسمح بأن تكون الدولة ساحة لتجاذبات القوى، ولا أن تتحول مؤسساتها إلى مساحات لتصفية الحسابات أو تثبيت النفوذ؛ وإن كل يوم يتأخر فيه توحيد القرار، تدفع الدولة ثمنًا من هيبتها، ويدفع المواطن ثمنًا من أمنه ومعيشته ومستقبله.
والنجـاة من المعضلات التي تطرأ على المشهد اليمني لن تأتي من إدارة الأزمات إلى ما لا نهاية، وإنما من معالجة أصل الأزمة: من يحكم؟ ومن يقرر؟ ومن يتحمل مسؤولية القرار؟
وحـين يكـون الجواب واضحًا، تصبح بقية الأسئلة قابلة للحل. أمـا حين تتعدد الإجابات، فإن كل أزمة جديدة ستجد لنفسها بابًا جديدًا للدخول.
إن توحـيد القرار السياسي والعسكري والأمني ليس ترفًا سياسيًا، ولا شعارًا للاستهلاك الإعلامي؛ إنه ضرورة وطنية تسبق كل حديث عن الإصلاح الاقتصادي، وإعادة الإعمار، واستعادة مؤسسات الدولة، وتحسين الخدمات، وجذب الدعم الدولي.
فـ المجتـمع الدولـي لا يستطيع أن يتعامل بفاعلية مع دولة تتعدد فيها مراكز القرار، والمستثمر لا يبحث عن بيئة تتعدد فيها السلطات، والمواطن لا يستطيع أن يبني حياته في ظل غموض المرجعية.
ولـذلك، فـإن اللحظة اليمنية الراهنة تستوجب شجاعة سياسية من نوع مختلف: شجاعـة الاتـفاق على أن الدولة فوق الجميع، وأن المؤسسات فوق الأشخاص، وأن القرار الوطني لا ينبغي أن يكون محل منافسة بين مراكز القوى.
وليـس عيبًا أن تختلف القوى السياسية في تقديراتها؛ العيب أن تختلف في مرجعيتها الوطنية.
وليـس عيبًا أن تتعدد الآراء؛ العيب أن تتعدد الأوامر.
وليـس عيبًا أن تتباين الاجتهادات؛ العيب أن يصبح لكل اجتهاد قوة تحميه خارج إطار الدولة.
اليـمن أكبر من أن تختزل في حزب، أو جماعة، أو منطقة، أو مشروع، أو شخص، وهـي كذلك أكبر من أن تظل رهينة لتعدد مراكز القرار.
لـقد آن الأوان لأن يكون الاختلاف طريقًا إلى التوافـق، لا ذريعة لتعدد السلطات؛ وأن يكون الحوار وسيلة لتوحـيد الرؤية، لا منصة لإعادة إنتاج الانقسام؛ وأن تكون الشراكة مدخلًا لبناء الدولة، لا عنوانًا لتقاسمها.
فـ إذا كان لكل طـرف قراره، فلن يكون للدولة قرار.
وإذا كان لكل قـوة أمنها، فلن يكون للمواطن أمن.
وإذا كان لكل جـهة مشروعها، فلن يكون للوطن مشروع جامع.
ومـن هنا تبدأ معادلة النجاة:
قيادة واحـدة، ومرجعية واحـدة، وقرار سياسي واحـد، وقيادة عسكرية وأمنية واحـدة، ومؤسسات تعمل وفق القانـون، وشراكة سياسية تحفظ التـعدد ولا تسمح بتـعدد الدولة.
ذلك هو الطريـق الذي يمكن أن يعيد للقرار هيبته، وللمؤسسة اعتبارها، وللمواطن ثقته، وللوطن قدرته على تجاوز أزماته.
أمـا أن نظل ننتظر صفاء السماء بينما نترك أسباب الغيم قائمة، فذلك يعني أننا لم نتعلم بعد من سنوات الأزمة الطويلة.
وفـي اليمن، كلما "صَفَتْ غَيَّمَتْ"... حتى يصبح توحيد القرار هو أول خطوة نحو صفاءٍ لا تعقبه غيـمة.
د. هـاني بن محمد القاسمي
عـدن: 12، أغسطس. 2026م
.