الإجابة قطعا، لا..
فالمقارنة بين عبد الملك الحوثي ومحمد بن سلمان ليست مقارنة بين قوتين متكافئتين. أحدهما يقود جماعة مسلحة متمردة ويعيش في الكهف، والآخر يقود دولة ذات مؤسسات، واقتصاد، وجيش، وتحالفات، وحضور إقليمي ودولي واسع..
لكن المشكلة ليست فيمن هو الأقوى..المشكلة في أن الأقوى قد يتردد، بينما الأضعف قد يبادر..
وهنا تحديدا تبدو المفارقة: السعودية في الوقت الراهن لا تريد عودة الحرب، هذا التردد جعل الحوثي يحدد شروط التهدئة، وجعله يقدم على استخدام القوة بدون أي كلفة سياسية أو عسكرية لا يستطيع التحكم بها..
وهنا حقق الحوثي بعض النجاح: ليس لأنه أصبح أقوى من السعودية، وإنما لأنه يحاول أن يجعل قرار التصعيد والتهدئة مرتبطا بحساباته هو، فهو لا يحتاج إلى الانتصار كي يربح،بقدر ما يحتاج إلى تردد الخصم في استخدام قوة الردع..
وهنا يصبح السؤال أكثر دقة: هل أصبح الحوثي صاحب القرار؟
ليس بعد. لكنه يحاول أن يصبح صاحب القدرة على تعطيل القرار. وهذه أخطر بكثير من مجرد زيادة نفوذه العسكري..
فالسعودية تمتلك التفوق العسكري والسياسي، لكن هذا التفوق أصبح أقل فاعلية بسبب انقسام الشرعية التي تدعمها..
ولا يمكن بناء ردع مستدام بجبهة يمنية متعددة مراكز القرار. ولا يمكن أن تكون هناك استراتيجية طويلة المدى إذا كان لكل طرف داخل المعسكر المناهض للحوثي حساباته الخاصة، وأولوياته، وقنواته الخاصة..
القوة السعودية تحتاج إلى شريك يمني موحد القرار؛ وإلا بقيت القوة الخارجية أكبر من القدرة السياسية على ترجمتها داخل اليمن. وهنا تحديدا يصبح توحيد مركز القرار اليمني مسألة تتجاوز الخلافات بين القوى والمكونات..
والمطلوب ليس إلغاء التنوع السياسي، وإنما منع تحول هذا التنوع إلى تعدد في القرارات السيادية والعسكرية. لأن الحوثي يستفيد من الانقسام أكثر مما يستفيد من انتصاراته العسكرية..
ماذا لو بقيت الشرعية منقسمة؟
إذا بقيت الشرعية منقسمة، فإن الحوثي لن يحتاج إلى هزيمتها. يكفي أن ينتظر حتى تصبح الأطراف الإقليمية والدولية مضطرة إلى التعامل معه مباشرة لأنه الطرف الأكثر قدرة على التعطيل..
وعندها قد تتحول الحكومة المعترف بها دوليا إلى مظلة قانونية، بينما يصبح الحوثي هو الطرف الذي لا يمكن تجاوز إرادته على الأرض..
وهذا هو السيناريو الذي ينبغي الحذر منه.
ليس لأن الحوثي أقوى من السعودية، بل لأن الفراغ السياسي يجعل القوة المحدودة أكثر تأثيرا مما تستحقه حسابيا. المعادلة التي تحتاج إلى تصحيح هي:
هل تسمح طريقة إدارة السعودية للأزمة، للحوثي بأن يكسب سياسيا؟ الإجابة نعم، كلما ترددت السعودية في تصحيح بنية الشرعية، لأن المشكلة ليست في ميزان القوة، وإنما في طريقة استخدامه..
وهنا تكمن المفارقة.
السعودية لا تخسر لأنها أضعف، وإنما لأنها تركت للخصم الأضعف مساحة يتحول فيها من لاعب إلى معطل، ومن معطل إلى شريك لا يمكن تجاوزه..
ولهذا فإن إعادة توحيد مركز القرار اليمني ليست ترفا سياسيا، بل شرطا لإعادة بناء الردع نفسه. فالهدف ليس الذهاب إلى حرب شاملة. والهدف أيضا ليس انتظار الحوثي حتى يقرر متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي..
الهدف هو إعادة صياغة المعادلة بإعادة قوة الدولة إلى مكانها الطبيعي. وعودة الحوثي إلى حجمه الحقيقي..