تشير التصعيد العسكري الذي تشهده اليمن خلال الأيام الأولى من أغسطس/آب 2026 إلى تغير في نمط التصعيد الحوثي، من عمليات محدودة على خطوط تماس مستقرة نسبيا إلى ضغط عسكري يمتد على قوس جغرافي واسع من حضرموت ومأرب شرقا، مرورا بتعز والضالع، وصولا إلى الساحل الغربي والمخا. ولا تكمن أهمية هذه التطورات في حجم كل عملية منفردة بقدر ما تكمن في اتساع جغرافيتها، وتنوع الأدوات المستخدمة فيها، وتزامنها مع ارتفاع مستوى التوتر الحوثي–السعودي والإقليمي. وهو ما يطرح سؤالا يتجاوز تفاصيل كل هجوم: هل نحن أمام ردود عسكرية متفرقة على تحركات حكومية، أم أمام محاولة حوثية لإعادة هندسة مسرح العمليات وتشتيت خصوم الجماعة على جبهات متعددة، قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر تركيزا؟
بدأت الموجة الحالية مع تصاعد النشاط العسكري في المجال الشرقي بين مأرب وحضرموت، بالتزامن مع استهداف مواقع ومعسكرات للقوات الحكومية، ثم امتد التصعيد إلى مأرب باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، قبل أن تتسع دائرة الاشتباكات والتحركات العسكرية إلى تعز والضالع والحديدة. وفي 9 أغسطس/آب انتقل التصعيد بصورة لافتة إلى الساحل الغربي مع استهداف ميناء المخا بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في تطور أعاد إدخال الساحل وباب المندب في قلب معادلة التصعيد. وتزامن ذلك مع استمرار الضغط الحوثي على السعودية، بما يعكس رغبة الجماعة في إبقاء الجبهة اليمنية مرتبطة بالسياق الإقليمي الأوسع. ولا يعني هذا التسلسل بالضرورة وجود قرار بفتح حرب شاملة على جميع الجبهات، لكنه يكشف نمطا يقوم على توسيع نطاق التهديد وإجبار الخصوم على التعامل مع أكثر من مسرح في الوقت نفسه.
وتوضح قراءة خريطة العمليات من الشرق إلى الغرب المنطق الذي قد يحكم هذا التصعيد. يبدأ المسرح من المجال الصحراوي بين حضرموت ومأرب، بما فيه العبر والرويك، وهي منطقة ترتبط بطرق الحركة والإمداد بين حضرموت ومأرب وشبوة والحدود السعودية. ولا يحتاج الحوثيون إلى التقدم نحو حضرموت حتى يحقق الضغط في هذا الاتجاه غرضه؛ فمجرد إدخال المنطقة في دائرة التهديد يفرض الاحتفاظ بقوات وموارد لحمايتها، ويوسع مساحة الانتشار التي يتعين على الحكومة إدارتها.
إلى الغرب تقع مأرب، وهي مركز الثقل العسكري والسياسي الأهم للحكومة في شمال وشرق البلاد، لذلك يؤدي الضغط عليها وظيفة تتجاوز محاولة تحقيق تقدم ميداني، إذ يبقي قواتها في حالة استنفار ويحد من إمكانية تحويل جزء منها إلى احتياط هجومي لجبهات أخرى. ومن مأرب يمتد قوس الضغط إلى تعز والضالع، حيث يكفي إبقاء خطوط التماس نشطة لتثبيت القوات الموجودة فيها ومنع إعادة توزيعها. أما على الساحل الغربي، فتأخذ المواجهة بعدا مختلفا بسبب اتصالها المباشر بباب المندب والبحر الأحمر. ومن هنا تكتسب المخا أهمية خاصة، لأن استهدافها يضغط على قوات الساحل ويهدد المنشآت والموانئ، وفي الوقت نفسه يربط الجبهة البرية بمعادلة الملاحة والأمن الإقليمي.
بهذا المعنى، لا تبدو العبر ومأرب وتعز والضالع والمخا جبهات منفصلة تماما، بل نقاطا ضمن قوس ضغط يمتد من الصحراء شرقا إلى البحر غربا. وتكمن الميزة الحوثية في أن الصواريخ والطائرات المسيّرة تسمح بإنتاج تهديد على مساحة واسعة دون الحاجة إلى توزيع القوات البرية بالحجم نفسه، بينما يضطر الخصم إلى تخصيص قوات ووسائل دفاع لحماية المناطق المهددة. وبذلك تصبح الجغرافيا نفسها أداة لاستنزاف الخصم وتوزيع قدراته.
ويبدو أن أحد الأهداف الرئيسية لهذا التحرك هو استباق أي تحول حكومي من الدفاع إلى الهجوم. فالخطاب الحوثي المصاحب للعمليات ركز على وجود تحشيدات واستعدادات حكومية لشن عمليات ضده. وبصرف النظر عن مقدار الدقة في هذه الرواية، فإنها تكشف أن الجماعة تنظر إلى التحركات الحكومية الأخيرة بوصفها تهديدا ينبغي تعطيله قبل أن يتحول إلى مبادرة عسكرية متماسكة. ويضاف إلى ذلك هدف الاحتفاظ بالمبادرة؛ أي أن يبقى الحوثي الطرف الذي يحدد متى ترتفع المواجهة وأين، بينما يظل خصومه في موقع الاستجابة.
كما يخدم تعدد الجبهات هدف تشتيت القوات الحكومية ومنع تجميع كتلة عسكرية كبيرة في اتجاه واحد، ويوفر للجماعة فرصة لاختبار جاهزية القوات وسرعة استجابتها ومستوى التنسيق بينها. وفي الوقت نفسه، يسمح ربط المخا والساحل بالضغط على السعودية بإبقاء البعد الإقليمي حاضرا ورفع الكلفة المحتملة لأي تحول عسكري واسع ضد الحوثيين. ولذلك قد لا يكون الهدف الحالي السيطرة على الأرض في جميع هذه الاتجاهات، وإنما إعادة تشكيل وضع الخصوم أولا، ثم الاحتفاظ بحرية اختيار الجبهة التي يمكن تحويلها لاحقا إلى مركز للثقل.
في المقابل، أظهرت الحكومة خلال الجولة الحالية مستوى أعلى من الجاهزية والنشاط العسكري، مع تحركات على عدد من خطوط التماس وردود على الهجمات الحوثية. غير أن الاختبار الحقيقي لا يتعلق بحجم الرد على كل عملية، بل بقدرتها على الانتقال من الاحتواء إلى استعادة المبادرة. فإذا أدى كل تهديد حوثي إلى نقل القوات نحو المنطقة المهددة، يستطيع الحوثيون التأثير في انتشار خصومهم دون الحاجة إلى تحقيق تقدم بري. لذلك تصبح المسألة الأساسية هي الاحتفاظ باحتياط قادر على الحركة، وعدم السماح للضربات الحوثية بتحديد خريطة الانتشار الحكومي.
ولا تخلو الاستراتيجية الحوثية نفسها من تحديات. فتوسيع مسرح الضغط يمثل ميزة ما دامت العمليات تعتمد أساسا على الصواريخ والمسيّرات والاشتباكات المحدودة، لكنه يمكن أن يتحول إلى عبء إذا تطورت المواجهة إلى عمليات برية متزامنة. عندها ستحتاج الجماعة إلى توزيع القوات والاحتياط والإمدادات على جبهة طويلة، بينما لا تستطيع النيران بعيدة المدى أن تكون بديلا عن القوات البرية إذا كان المطلوب السيطرة على الأرض. كما يمكن أن يتحول تعدد القوى المناوئة للحوثيين من نقطة ضعف لدى خصومهم إلى مشكلة للجماعة إذا نجحت تلك القوى في ممارسة ضغط متزامن على محاور متباعدة.
أما بالنسبة للحكومة، فلم تعد وحدة القرار العسكري تمثل المعضلة الرئيسية كما كانت في مراحل سابقة، وإنما انتقل التحدي إلى كفاءة التنفيذ وتحويل القرار إلى فعل عملياتي متزامن. ويشمل ذلك إدارة القوات والاحتياط واللوجستيات، والتمييز بين الجبهة التي يستخدمها الحوثيون للضغط والجبهة المخصصة للتثبيت والمحور الذي قد يتحول إلى اتجاه للهجوم الرئيسي، إلى جانب التعامل مع الفجوة التي تفرضها الصواريخ والطائرات المسيّرة في حماية القواعد ومراكز القيادة والموانئ وخطوط الإمداد. والأهم هو الانتقال من الاستجابة لخريطة التصعيد الحوثية إلى فرض خريطة عمليات تجعل الجماعة نفسها مضطرة إلى توزيع قواتها.
وعلى هذا الأساس، يمكن أن يتحرك التصعيد في أربعة مسارات. الأكثر ترجيحا على المدى القريب هو استمرار الضغط الموزع بواسطة الصواريخ والمسيّرات والعمليات المحدودة دون حرب برية شاملة. والمسار الثاني أن تكون هذه المرحلة تمهيدا للانتقال من التشتيت إلى التركيز، بحيث يحشد الحوثيون لاحقا قوة برية في محور محدد بعد تثبيت خصومهم في بقية الجبهات. أما الثالث فيتمثل في نجاح الحكومة في قلب المعادلة وفرض ضغط متزامن ومدروس يجبر الحوثيين على توزيع احتياطياتهم. ويبقى المسار الرابع والأكثر خطورة هو اندماج التصعيد اليمني بصورة أوسع في المواجهة الإقليمية إذا توسعت الهجمات على السعودية أو البحر الأحمر.
في المحصلة، تكمن أهمية الجولة الحالية في اتساع خريطتها أكثر من حجم كل عملية منفردة. فالهدف الحوثي المرجح ليس إشعال جميع الجبهات دفعة واحدة، بل جعلها جميعا قابلة للاشتعال بما يحرم الخصم من اليقين بشأن اتجاه المعركة الرئيسية. ولذلك فإن المؤشر الأهم خلال المرحلة المقبلة لن يكون المكان الذي تصل إليه الصواريخ والمسيّرات، بل المكان الذي تبدأ فيه الجماعة بتجميع قواتها البرية واحتياطياتها وإمداداتها؛ فهناك تحديدا يمكن أن ينتقل التصعيد من أداة للتشتيت والضغط إلى تمهيد لمعركة أكبر.