الطابور الذي يكشف أزمة الأخلاق قبل أزمة الغاز

الخميس - 06 أغسطس 2026 - 05:25 م


أحمد ناصر حميدان
بقلم: أحمد ناصر حميدان
ارشيف الكاتب

منذ ثلاثة أيام وأنا أخرج باحثاً عن محطة غاز لتعبئة سيارتي، وأعود إلى المنزل دون جدوى. وفي كل مرة أجد طوابير طويلة أنهكت الناس، وأنا واحد منهم. قبل أيام وقفت في طابور من الثانية والنصف فجراً حتى الثانية عشرة ظهراً، وعدت إلى منزلي منهكاً، وقضيت يومين طريح الفراش من شدة التعب.

اليوم قلت لنفسي: لعل الحظ يكون أفضل. خرجت من المنزل السادسة صباحاً، وتنقلت بين محطة وأخرى حتى دلني أحد الزملاء على محطة في جعولة. وصلنا إليها، وانتظرنا ساعات طويلة، حتى أصبحت السيارة التي أمامي على وشك الانتهاء، ولم يبق إلا أن أدخل بعدها. وفجأة انتهى الغاز... كانت الساعة الثانية عشرة ظهراً.

لكن المشكلة لم تكن في نفاد الغاز وحده، بل فيما رأيته طوال ساعات الانتظار. كان هناك طابور للمواطنين، وطابور آخر للمحظيين. سيارات تدخل لأنها "لمسؤول"، أو "لمعرفة"، أو "لشخصية مهمة"، بينما أصحاب الحق يقفون تحت الشمس ينتظرون دورهم.

حاولت أن أتحدث مع مسؤول المحطة، وأوضحت له أن هذا السلوك هو السبب الحقيقي للفوضى والاحتقان، لكنه لم يبد أي اهتمام. وكأن احترام النظام لا يعنيه، وكأن حقوق الناس لا قيمة لها.

المؤلم أن بعض أصحاب المحطات أصبحوا يستخدمون الغاز وسيلة لبناء العلاقات وكسب النافذين، لا خدمةً للمواطن. وهنا تتولد مشاعر الظلم والكراهية، حين يرى كبار السن والمرضى والبسطاء ينتظرون ساعات، بينما تمر السيارات الفارهة من بوابة الامتياز بلا طابور ولا انتظار.

إن احترام الطابور ليس مجرد تنظيم، بل هو عدالة ومساواة واحترام لكرامة الإنسان. وحين ينهار هذا المبدأ، ينهار معه الإحساس بالمواطنة، ويشعر الناس أن هناك من هم فوق القانون وفوق النظام وفوق حقوق الآخرين.

السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم: من أعطى هؤلاء الحق في تجاوز الناس؟ ومن يحاسب أصحاب المحطات الذين يصنعون هذه الفوضى بأيديهم؟

ما نحتاجه ليس زيادة عدد الطوابير، بل استعادة هيبة النظام، وتطبيق القانون على الجميع بلا استثناء. فالدولة التي تحترم مواطنيها تبدأ من احترام دور المواطن في الطابور، قبل أي شيء آخر.

اللهم فرّج عن الناس، وأنقذهم من الفوضى والمحسوبية التي أرهقت حياتهم، وجعلت أبسط الحقوق معركة يومية لا تنتهي