لم يعد الإرهاب في غرب إفريقيا ظاهرة أمنية يمكن تفسيرها من خلال الخطاب التقليدي الذي يربط العنف بالتطرف الديني وحده، ولم تعد الانقلابات العسكرية مجرد صراع على السلطة بين النخب السياسية والمؤسسة العسكرية. فالتحولات التي شهدتها منطقة الساحل خلال العقدين الأخيرين تكشف عن تشكل مشهد أكثر تعقيدا، تتداخل فيه هشاشة الدولة، والجريمة المنظمة، والتنافس الدولي، والانقسامات الاجتماعية، وضعف التنمية، لتنتج واحدة من أكثر الأزمات الجيوسياسية تعقيدا في القارة الإفريقية.أثبتت المقاربة الأمنية التقليدية، التي تنظر إلى الإرهاب بوصفه عدوا عسكريا ينبغي القضاء عليه بالقوة، محدوديتها. فعلى الرغم من آلاف العمليات العسكرية، ومليارات الدولارات التي أُنفقت على مكافحة الإرهاب، ما تزال الجماعات المسلحة توسع نطاق انتشارها، وتعيد بناء شبكاتها، وتطور أساليبها في التجنيد والتمويل والإدارة. ويكشف ذلك أن المشكلة لا تكمن في قوة الجماعات الإرهابية وحدها، بل في هشاشة البيئة السياسية والمؤسساتية التي أتاحت لها فرص النمو والتمدد.
ولم تعد الجماعات الإرهابية مجرد تنظيمات تختبئ في الجبال أو الصحارى، بل غدت في بعض المناطق تمارس وظائف كانت حكرا على الدولة؛ فهي تفرض الضرائب، وتدير شبكات التجارة غير المشروعة، وتضع أنظمة محلية، وتستقطب الشباب عبر مزيج من الأيديولوجيا والمصالح الاقتصادية. وبهذا المعنى، لم يعد الصراع يدور بين الدولة وجماعة مسلحة، وإنما بين مشروعين متناقضين: مشروع الدولة الوطنية، ومشروع اللادولة القائم على تفكيك المؤسسات وإحلال سلطة السلاح محل القانون.ولا يمكن فصل هذا التحول عن البيئة السياسية التي تعيشها منطقة الساحل. فالدول التي أصبحت مسرحا لنشاط الجماعات الإرهابية تعاني في الغالب ضعفا في الإدارة، وتفاوتا في التنمية، وغيابا للخدمات الأساسية، وارتفاعا في معدلات البطالة، فضلا عن أزمات متراكمة في إدارة التنوع الاجتماعي والعرقي. ولهذا يجد الإرهاب في هذه البيئات أرضية خصبة لإعادة إنتاج نفسه، مستفيدا من الفراغ الذي تتركه الدولة.ولا يقتصر المشهد على العوامل الداخلية وحدها، إذ تحولت منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أهم ساحات التنافس الجيوسياسي في العالم، بفعل موقعها الاستراتيجي، وثرواتها الطبيعية، واتصالها بمسارات الهجرة والتجارة العابرة للصحراء. وأصبح الأمن في المنطقة مرتبطا بحسابات دولية معقدة، تتداخل فيها مصالح قوى دولية وإقليمية، لكل منها رؤيتها الخاصة لمستقبل الساحل.
ويثير هذا الواقع سؤالا محوريا هل كان الإرهاب سببا مباشرا في صعود الانقلابات العسكرية، أم أن هذه الانقلابات تعكس انهيارا أعمق في بنية الدولة؟ كما يطرح سؤالا آخر لا يقل أهمية: لماذا أخفقت النماذج الأمنية التقليدية في الحد من الإرهاب، رغم الدعم الدولي الكبير والانتشار العسكري الواسع؟.تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن الإرهاب في غرب إفريقيا ليس مجرد ظاهرة أمنية، بل هو نتيجة لأزمة مركبة في بناء الدولة، وأن الانقلابات العسكرية ليست سوى أحد تجليات هذه الأزمة، في حين يمثل التنافس الدولي عاملا يزيد المشهد تعقيدا، من دون أن يكون وحده مسؤولا عن إنتاجه.أولا من التمرد المحلي إلى الإرهاب العابر للحدود عرفت منطقة الساحل أشكالا متعددة من التمرد المسلح منذ عقود، غير أن هذه الحركات كانت في معظمها ذات طابع محلي، ارتبطت بمطالب سياسية أو عرقية أو اقتصادية. إلا أن العقدين الأخيرين شهدا تحولا نوعيا في طبيعة هذه الجماعات، إذ انتقلت من تنظيمات محدودة التأثير إلى شبكات عابرة للحدود تمتلك مصادر تمويل متنوعة، وقدرات تنظيمية عالية، وعلاقات وثيقة مع شبكات الجريمة المنظمة.وقد أسهم انهيار مؤسسات الدولة في بعض المناطق، وانتشار السلاح، واتساع شبكات التهريب، في خلق بيئة مناسبة لهذا التحول. ولم تعد الحدود السياسية تمثل عائقا أمام حركة الجماعات المسلحة، بل أصبح الساحل فضاء أمنيا مفتوحا تنتقل عبره الأسلحة والمقاتلون والموارد بسهولة، مستفيدين من ضعف التنسيق الإقليمي وغياب الرقابة الفاعلة على الحدود.
وفي ظل هذا الواقع، تغيرت طبيعة أهداف الجماعات الإرهابية. فلم تعد تكتفي بتنفيذ هجمات خاطفة، بل أصبحت تسعى إلى إنشاء مناطق نفوذ دائمة، وإضعاف حضور الدولة، ومنعها من استعادة سيطرتها على المناطق الريفية، واستنزاف قدراتها العسكرية والاقتصادية. وهكذا تحول الإرهاب من تكتيك عسكري إلى استراتيجية سياسية تستهدف تقويض الدولة الوطنية.ويكشف هذا التحول أن التحدي الأكبر الذي تواجهه إفريقيا اليوم لا يتمثل في وجود جماعات متطرفة فحسب، وإنما في بروز كيانات مسلحة تحاول الحلول محل الدولة في أداء بعض وظائفها، مستفيدة من غياب المؤسسات، وانعدام الثقة بين المجتمع والسلطة، وتراجع التنمية في المناطق الطرفية.ولم تعد هذه الجماعات تعتمد على السلاح وحده، بل أدركت أن المعركة تبدأ في الوعي قبل أن تبدأ في الميدان. لذلك تعمل على إنتاج خطاب ديني وسياسي يبرر وجودها، أو يخفف من بشاعة جرائمها، أو يصور الصراع وكأنه مجرد خلاف سياسي قابل للتفاوض، متجاهلا أن هذه الجماعات تقوم على تقويض الدولة، واحتكار العنف، وفرض رؤيتها بالقوة.وكل خطاب يمنح هذه الجماعات غطاء أخلاقيا أو شرعية اجتماعية، سواء صدر عن رجال دين أو شخصيات عامة أو فاعلين سياسيين، يستوجب النقد والمساءلة في إطار النقاش العام. وفي المقابل، ينبغي التمييز بين الدعوة إلى الحوار أو الوساطة لإنهاء العنف، وبين دعم الجماعات الإرهابية أو تبرير أفعالها، إذ لا يجوز الخلط بين الأمرين أو توجيه الاتهامات من دون أدلة موثقة.إن حماية الدولة لا تقتصر على المواجهة العسكرية، بل تبدأ أيضا بحماية المجال العام من الخطابات التي تضعف مناعة المجتمع أمام التطرف، لأن انهيار الوعي غالبا ما يسبق انهيار المؤسسات.
#زكريا_نمر