في الأول من سبتمبر 1971، لم يكن الجنوب اليمني على موعد مع مناسبة عسكرية عابرة، بل مع لحظة فارقة في تاريخ الدولة؛ ففي ذلك اليوم أُعلن تأسيس الجيش الجنوبي بصورة رسمية، خلال حفل إشهار الكلية العسكرية في صلاح الدين بالعاصمة عدن، ليصبح الجيش إحدى أبرز مؤسسات جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وأدوات حماية حدودها وسيادتها.
لكن التاريخ العسكري للجنوب لم يبدأ عام 1971. فقد سبقت ذلك تشكيلات عسكرية محلية تعود جذورها إلى الحقبة البريطانية؛ ففي عام 1918 أُنشئت «الكتيبة اليمنية الأولى»، ثم تطورت التشكيلات العسكرية لاحقاً، وبلغ قوام الجيش الاتحادي نحو 1800 فرد عام 1945، قبل أن تتغير بنيته ومسمياته مع قيام اتحاد الجنوب العربي.
وبعد الاستقلال في 30 نوفمبر 1967، بدأت الدولة الجنوبية بناء مؤسستها العسكرية الجديدة. وكان علي سالم البيض أول وزير دفاع في حكومة الاستقلال برئاسة قحطان محمد الشعبي، وتولى المنصب من نوفمبر 1967 حتى أبريل 1968، قبل أن تتعاقب على وزارة الدفاع قيادات عسكرية وسياسية أخرى.
ما الذي جعل جيش الجنوب مختلفاً؟
لم يكن بناء الجيش مجرد زيادة في أعداد الجنود والسلاح؛ فقد اتجهت الدولة إلى بناء مؤسسة عسكرية ذات طابع مهني، مستفيدة من خبرات سابقة في التنظيم والتدريب، ثم دخل العامل السوفيتي بقوة بعد الاستقلال.
فمنذ عام 1968 بدأت موسكو بتوسيع تعاونها العسكري مع عدن، ووصلت المعدات السوفيتية والتدريب العسكري إلى مستويات متقدمة، ثم توسعت عملية التسليح بصورة أكبر في بداية السبعينيات. وبحلول الثمانينيات أصبح الجيش الجنوبي قوة عسكرية كبيرة قياساً بحجم الدولة وإمكاناتها الاقتصادية. وتشير تقديرات معاصرة إلى أن القوات المسلحة الجنوبية بلغ قوامها نحو 24 ألف رجل عام 1982، وكانت مجهزة إلى حد كبير بالسلاح السوفيتي.
معلومة قد لا يعرفها كثيرون
المفارقة التاريخية أن عام 1971، الذي ارتبط بتأسيس الجيش الجنوبي، كان أيضاً عاماً شهد تصاعداً كبيراً في تدفق السلاح السوفيتي إلى عدن؛ أي أن الجيش لم يُبنَ فقط كقوة محلية، بل تزامن تأسيسه الرسمي مع مرحلة إعادة هيكلة وتسليح وتدريب واسعة، جعلته خلال سنوات قليلة يمتلك قوات برية وجوية وبحرية ذات حضور إقليمي. وتكشف وثائق أرشيفية بريطانية أن النشاط العسكري السوفيتي في جنوب اليمن كان موضع متابعة منذ عام 1971، بما في ذلك تحركات السفن والطائرات والتعاون الدفاعي.
وفي عام 1984، على سبيل المثال، تظهر وثائق استخباراتية أمريكية حجم الترسانة السوفيتية لدى الجنوب، ومنها عشرات الدبابات T-62 ومئات الدبابات T-54/55 وT-34، وهو ما يعكس حجم التحول الذي طرأ على المؤسسة العسكرية الجنوبية خلال عقد واحد فقط.
وهنا تكمن أهمية الأول من سبتمبر: فهو ليس مجرد تاريخ لتأسيس جيش، بل تاريخ لبناء مؤسسة عسكرية أصبحت جزءاً من ذاكرة دولة وتجربة سياسية واجتماعية كاملة.
وبعد 55 عاماً، تبقى قراءة تجربة الجيش الجنوبي بحاجة إلى أكثر من لغة الاحتفاء أو الخصومة السياسية؛ فالتاريخ العسكري لا يُكتب بالشعارات، وإنما بالوثيقة، وبفهم الظروف التي صنعت الجندي والمؤسسة والدولة.
الأول من سبتمبر.. ذكرى جيشٍ رحل بتغير الدولة، لكنه ترك وراءه تاريخاً لا يزال حاضراً في ذاكرة أجيال الجنوب.