فجعنا، كما فُجع كل يمني وعربي صاحب ضمير، بما نُشر عن الجريمة البشعة التي راحت ضحيتها امرأتان يمنيتان في جمهورية مصر العربية، إحداهما كانت – بحسب ما تم تداوله – تعاني مرض السرطان، وكانت الأخرى ترافقها، فإذا برحلة العلاج والأمل تنتهي بمأساة تقشعر لها الأبدان.
وأمام هذه الفاجعة، نقول أولًا: ثقتنا كبيرة في القضاء وأجهزة العدالة والأمن في جمهورية مصر العربية، وفي قدرتها على كشف الحقيقة كاملة، وتقديم من تثبت مسؤوليته إلى العدالة، لينال الجزاء الذي يستحقه وفق القانون. ومصر التي احتضنت اليمنيين في أحلك الظروف ستظل بلدًا عزيزًا وشقيقًا، ولا يجوز أن تُحمَّل دولة أو شعب كريم وزر جريمة فردية ارتكبها مجرم.
لكن المؤلم فوق ألم الجريمة أن تنطلق ألسنة وشائعات تمس عرض الضحيتين وسمعتهما، وكأن قتلهما لم يكن كافيًا، فيراد قتلهما مرة أخرى بالتشهير والافتراء.
إن وجود امرأة في مسكن مستأجر، أو تعاملها مع سائق أو سمسار أو مقدم خدمة، لا يبيح لأحد أن يخوض في عرضها، ولا أن ينسج حولها القصص والاتهامات. الأصل في الإنسان البراءة، والأعراض مصونة، والميت أحوج ما يكون إلى الإنصاف لا إلى التشهير. ومن يملك دليلًا فمكانه جهات التحقيق والقضاء، لا صفحات التواصل الاجتماعي.
وفي الوقت نفسه، فإن هذه الفاجعة تحمل لنا نحن المسلمين رسالة تستحق التأمل، بعيدًا عن استغلال دماء الضحايا أو تحميلهن مسؤولية ما وقع عليهن:
حين جاءت الشريعة بأحكامها المتعلقة بسفر المرأة والمحرم، فإن مقصدها الحفظ والصيانة والأمان، وليس الانتقاص من المرأة أو التضييق عليها. فوجود الأب أو الأخ أو الابن أو الزوج أو غيرهم ممن يكون سندًا للمرأة في السفر والغربة يحقق – في الأحوال التي يمكن فيها ذلك – قدرًا إضافيًا من الحماية والعون، خصوصًا عند المرض والحاجة إلى التعامل مع الغرباء والسائقين والسماسرة وأصحاب الخدمات.
ولو وجد مع هاتين المرأتين رجل من أهلهما يتولى شؤونهما ويصحبهما في تنقلاتهما، لتغيرت ظروف الواقعة أو قلت حاجتهما إلى الاعتماد على غرباء.
وهنا رسالتنا إلى نسائنا وبناتنا اليمنيات والمسلمات: لا تستهِنَّ بأسباب السلامة في السفر والغربة، ولا سيما عند المرض أو الإقامة الطويلة. وإذا تعذر وجود المحرم لضرورة أو ظرف، فليكن التعامل عبر جهات موثوقة ،
ولتعرف الأسرة تفاصيل السكن والتنقل والأشخاص الذين يتم التعامل معهم، وليُتجنب الاعتماد المنفرد على شخص غريب قدر المستطاع.
ورسالتنا كذلك إلى الرجال والأسر: المحرم ليس مجرد رجل يسافر بجوار المرأة، وإنما سند ومسؤولية وحماية ورعاية. فلا تتركوا أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم في غربتهن ومرضهن يواجهن وحدهن ظروفًا قد تضطرهن للاستعانة بمن لا يعرفن خلقه ولا أمانته.
أما من يتخذ هذه الجريمة مطية للطعن في شرف الضحيتين، فنقول له: اتق الله في أعراض الموتى وفي قلوب أهلهم. الجريمة لا تسقط كرامة المجني عليه، والقتل لا يحول الضحية إلى متهم، والشائعة ليست دليلًا.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾.
رحم الله الضحيتين رحمة واسعة، وربط على قلوب أهلهما، ونسأل الله أن تظهر الحقيقة كاملة، وأن يأخذ العدل مجراه في أرض الكنانة، وأن يحفظ نساء اليمن والمسلمين في أسفارهن وغربتهن.
العدالة للجاني.. والرحمة للضحايا
وصيانة أعراضهن واجب الجميع
والله من وراء القصد
عميد دكتور / امين سعيد الكوشاب ( المحامي )
مستشار رئيس جامعة تعز العز
الاثنين 31 اغسطس 2026 م