أحببتها... ثم دفعت الفاتورة

الأحد - 02 أغسطس 2026 - 08:00 م


زكريا نمر
بقلم: زكريا نمر
ارشيف الكاتب

في مساء يبلله المطر، كنت أجلس إلى طاولة خشبية في الركن الأكثر عزلة من المقهى، برفقة محامية ذات ميول شيوعية. كان شعرها مربوطا بإهمال متقن، كأنه يرفض الانضباط من حيث المبدأ، أما وجهها فكان مقتصدا في مشاعره إلى حد القسوة. تمسك بفنجان القهوة كما لو أنه وثيقة احتجاج، وتنظر إلي بعينين اعتادتا تفكيك الأقوال قبل إصدار الأحكام.منذ أن اعتقلت الشرطة صاحب المطعم الذي كنت ألوذ بطعامه، بعدما قرر أن يدخن الحشيش في جلسة سرية خلف المطبخ، أصبحت حياتي سلسلة من الوجبات المؤجلة. صرت أقتات على الخبز اليابس، وأمشي في الشوارع كشاعر أفلس قبل أن ينشر ديوانه، يحمل في معدته فراغا، وفي قلبه ضجيجا، وفي عينيه إعلانا لا يقرؤه أحد مطلوب قليل من الدفء... وطبق فول.استيقظت ذلك الصباح على صفاء نادر، كأن القلق أخذ إجازة ليوم واحد. خرجت إلى الشرفة متثاقلا، أتأرجح بين النوم واليقظة، ثم لففت سيجارة وأشعلتها وأنا أحاول عبثا تسريح شعري الذي كان يشبه ثورة رفعت شعاراتها ثم نسيت برنامجها. نظرت إلى انعكاسي في زجاج النافذة، وأقنعت نفسي بأنني لا أزال أملك شيئا من الوسامة، أو على الأقل ما يكفي من الغموض لخداع الغرباء.


لم يدم ذلك السلام طويلا.فجأة دوى صوت جاري وهو يصرخ في وجه زوجته:أنت لا تفهمين شيئا... الشيوعية ليست مجرد كتب. ابتسمت في مرارة. حتى المشاجرات الزوجية في هذا الحي تحمل طابعا أيديولوجيا. بدا العالم وكأنه فقد قدرته على إنتاج خلاف عادي.خرجت من المنزل حاملا قلقي كما يحمل عامل بسيط حقيبة أدواته. وصلت إلى المقهى، فوجدتها تنتظرني. لم تبتسم، وكأن الابتسام في نظرها امتياز برجوازي لا يحق للجميع. كان فستانها الأسود يزيدها صرامة، بينما كنت أقابلها بملابس العمل، ورائحة الحديد والزيوت الصناعية ما زالت تسكن أكمامي. نظرت إلي كما لو أنني ملف قديم محفوظ في أرشيف دولة مهملة، يصلح للقراءة ولا يستحق الحفظ.قالت بهدوء في هذا العالم القاسي، أريد الأشياء الناعمة.كانت جملة قصيرة، لكنها بدت لي برنامجا سياسيا كاملا.أما أنا، فقد أسأت فهمها كعادتي. ظننت أنها تطلب خطابا عن العدالة، فبدأت أتحدث عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعن العمال الذين يشيخون في المصانع قبل أن يتعلم أطفالهم كتابة أسمائهم، وعن الرغيف الذي صار أصعب من الحرية.


كانت تنظر إلى طبق السلطة أكثر مما تنظر إلي. حدقت في أوراق الخس كأنها تبحث بينها عن ثورة لم تخسر معركتها بعد.ازداد اندفاعي. انتقلت إلى الثورة البلشفية، ثم إلى لينين، ثم إلى ستالين، ثم إلى ذلك السؤال القديم: كيف تتحول الأحلام الكبرى إلى مؤسسات صغيرة تقتل أصحابها بالروتين؟ قلت إن الاستبداد لا يغير لونه حين يبدل شعاراته، وإن البيروقراطية قادرة على اغتيال الثورة بهدوء أكثر مما تفعله المدافع.رفعت رأسها ببطء.كان الصمت الذي سبق كلامها أطول من كل خطبي.ثم قالت: أنت تشبه الجدار... تسمع كل شيء، لكنك لا تفهم شيئا.نهضت، وغادرت.لم تترك وراءها رسالة، ولا وعدا، ولا حتى اعتذارا.تركت الفاتورة.جلست أحدق فيها طويلا. بدت لي أكثر واقعية من جميع النظريات التي تحدثت عنها قبل دقائق. دفعتها بصمت، واكتشفت أن الحب، بخلاف الثورات، لا يسقط بسبب المؤامرات، بل بسبب سوء الإصغاء.خرجت إلى الشارع. كان المطر يغسل الأرصفة، ولا يغسل رأسي من أفكاري. جلست على حافة الرصيف، وقلت لنفسي إن الفوارق الطبقية لا تظهر دائما في الأجور والمنازل، بل تظهر أيضا في طريقة الحلم.هي محامية تدافع عن المظلومين داخل المحكمة، وأنا عامل أصنع في المصنع الأدوات التي قد يستخدمها الأقوياء لإحكام قبضتهم على أولئك المظلومين.كانت المفارقة أكبر من أن تحلها قصة حب، وأصغر من أن تغير العالم.ورغم كل ذلك...أحببتها.وفي نهاية الأمسية، لم أربح قلبها، ولم أنتصر لنظرياتي، ولم أخرج حتى بوجبة عشاء.كل ما خرجت به...إيصال الدفع.

#زكريا_نمر