وهمُ القوة الدائمة... حين تخطئ الجماعات قراءة الزمن السياسي

قبل ساعة


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

في السياسة، لا تبدأ هزيمة القوى دائماً على وقع المعارك، ولا تُحسم نهاياتها بتفوق خصومها وحدهم؛ فكثير من المشاريع تسقط أولاً عندما تخطئ قراءة الزمن السياسي، وتتصرف بعقلية مرحلة انتهت، بينما تكون موازين القوى قد بدأت تتغير بصمت. وعندها تتحول أدوات القوة نفسها إلى أسباب للتآكل، ويتحول ما كان يُنظر إليه بوصفه ورقة ضغط إلى عبء استراتيجي.


وهذا، على الأرجح، هو المأزق الذي تواجهه جماعة الحوثي اليوم. فقد تعاملت مع عامل الوقت وكأنه حليف سرمدي، وافترضت أن قدرتها على الصمود والمراوغة كافية لفرض شروطها، وأن كل موجة ضغط ستنتهي حتماً بالطريقة ذاتها: بوساطة جديدة، أو هدنة هشة، تمنحها مهلة إضافية لإعادة ترتيب أوراقها. لقد بنت الجماعة استراتيجيتها طوال سنوات على "إدارة الصراع لا حسمه"، متوهمة أن هذه المساحات الرمادية باتت قاعدة ثابتة لا استثناءً أملته حسابات ظرفية.


لكن السياسة لا تعترف بالثوابت، والزمن لا ينتظر من يسيء قراءة تحولاته. فالبيئة الإقليمية والدولية المعاصرة تختلف جذرياً عن المناخات التي سمحت للجماعة بالمناورة سابقاً؛ إذ إن تصاعد خطورة تهديد الملاحة الدولية، وتنامي الحساسية الدولية تجاه أدوار الوكلاء، يعكسان تبدلاً عميقاً في أولويات القوى الكبرى والمؤثرة، والتي لم تعد ترى في سياسة "الاحتواء وإدارة المخاطر" خياراً مجدياً، بل باتت تتجه نحو التفكير في إنهائها.


وهنا يكمن مقتل الحسابات الحوثية؛ فالقيادة هناك تصرفت بناءً على فرضية أن التصعيد يرفع كلفة مواجهتها ويجبر خصومها على تقديم التنازلات، غافلة عن أن الإفراط في القوة قد يؤدي إلى النتيجة المعاكسة تماماً، فيتحول صاحبه من "طرف في أزمة قابلة للإدارة" إلى "مصدر تهديد وجودي" يستدعي الاستئصال.


ولعل المفارقة التي تظهّر هذا الخلل في الحسابات تجلت اليوم؛ ففي الوقت الذي اتجهت فيه الاتهامات إلى ربط استهداف المنشآت الحيوية السعودية بفصائل خارجة عن القانون في العراق، سارعت جماعة الحوثي -عبر ناطقها العسكري- إلى تبني العملية تحت لافتة كسر 'الحصار'. هذا التبني المتعجل لم يكن استعراضاً للقوة بقدر ما كان استعجالاً لتضييق هامش المناورة الخاص بها؛ فمن يتطوع بتبني تهديد أمن الطاقة الإقليمي لا يعزز موقعه التفاوضي، بل يقدم لخصومه -على طبق من ذهب- المبررات القانونية والسياسية لاستهدافه تحت غطاء 'الدفاع عن النفس'، فضلاً عن تدويل المعركة وإعادة تعريف الظاهرة الحوثية كخطر عابر للحدود.


إن هذا التباين اللافت في تحديد مصدر الاعتداء—بين قراءة سعودية تتوخى الدقة الاستراتيجية وتوجّه أصابع الاتهام نحو الجغرافيا العراقية، وبين اندفاعة حوثية لتبني العملية—يكشف عن هوة سحيقة في الوعي السياسي. فالرياض، برفضها مجاراة الرواية الحوثية، تُجرّد الجماعة من ورقة الابتزاز الإقليمي التي حاولت تسويقها، وتضع التهديد في سياقه الإقليمي الأوسع كجزء من منظومة مسيرات عابرة للحدود تُدار من غرفة عمليات واحدة. وفي المقابل، يبدو التبني الحوثي المستميت وكأنه محاولة بائسة للاستثمار في تصعيد ليس من صنعها، لتبدو الجماعة في موقف من يقدم نفسه قرباناً سياسياً وعسكرياً لحسابات قوى إقليمية أخرى، غافلة عن أن هذا السلوك يعزز تصنيفها كـ 'ظاهرة وظيفية' يستحيل معها بناء أي سلام مستدام.


إن الرهان الحوثي المستمر على معادلة "التفاوض تحت ضغط السلاح" بات يرتطم بجدار سميك. وحتى الإشارات الإيرانية المتكررة التي تدثرت طويلاً بعبارة "لا حل عسكرياً للأزمة"، لم تعد تعكس حرصاً على الحوار بقدر ما تبطن إدراكاً متزايداً بأن استمرار التصعيد قد يفتح مسارات إقليمية يصعب التحكم بنتائجها، وأن قواعد اللعبة القديمة قد استُهلكت تماماً.


لقد استفادت الجماعة طويلاً من مساحات التبريد الدبلوماسي، وارتكبت خطأً استراتيجياً عندما فسرت صبر خصومها ورغبتهم في تجنب التصعيد كدليل عجز أو تسليم بالأمر الواقع. واليوم، لم تعد المعضلة في حجم القوة العسكرية التي تحوزها الجماعة، بل في عمى الألوان السياسي الذي يمنعها من رؤية المتغيرات؛ فبينما تقف معطيات الواقع عند حافة نفاد الصبر الاستراتيجي والانتقال إلى منطق الحسم، ما تزال الجماعة تتحرك بكتالوج الأمس.


إن التاريخ لا يحاسب القوى على ما تملكه من ترسانة، بل على قدرتها على فهم اللحظة التاريخية؛ فكثير من الحركات المسلحة لم تبدأ خسارتها يوم انكسرت في الميدان، وإنما يوم فقدت البوصلة، واعتقدت واهمة أن الزمن ثابت وقواعد اللعبة أبدية لا تتغير.