فالثبات على المبادئ ليس شعار يرفع في المناسبات ولا كلمات تردد أمام الجماهير بل عقيدة راسخة وإيمان لا تهزه المغريات ولا تبدله الضغوط ولا تغيره تقلبات المصالح, وهو امتحان الرجال الحقيقي حيث ينكشف الصادق من المدعي ويتميز صاحب الهدف عن الباحث عن المكاسب.
وأصحاب المبادئ لا يبدلوا مواقفهم بتبدل الظروف ولا يعرضون قضاياهم في أسواق المساومات السياسية، لأنهم يدركون أن الكرامة لا تشترى والأوطان لا تُباع، والتاريخ لا يكتب أسماء الذين ساروا مع التيار بل يخلّد أولئك الذين ثبتوا على الحق عندما تراجع الآخرون.
أما الذين غيروا ولاءاتهم طمع في منصب أو باعوا مواقفهم مقابل مكسب، فقد ربحوا لحظة وخسروا تاريخ وكسبوا منفعة مؤقتة وخسروا ثقة الناس, فالمناصب إلى زوال والمصالح إلى انتهاء أما المواقف الصادقة فتبقى شاهدة على أصحابها، ترفع من قدرهم وتحفظ لهم مكانتهم في وجدان الشعوب.
والوفاء للقضية مسؤولية أخلاقية ووطنية والثبات عليها هو عنوان الشرف ودليل صدق الانتماء, ومن حق الأوفياء الذين لم يساوموا ولم ينحنوا أمام الضغوط ولم يبيعوا مبادئهم مقابل الوعود، أن يذكروا بكل تقدير وأن تُنصف تضحياتهم، لأنهم اختاروا طريق الكرامة رغم صعوبته وآثروا مصلحة الوطن على مصالحهم الشخصية.
وأما الذين جعلوا حسابات المكاسب فوق المبادئ فإن الزمن وحده كفيل بكشف حقيقة خياراتهم فالأيام تمضي والحقائق تتجلى ويبقى الحق ثابت وتبقى المواقف عنوان لا يسقط بالتقادم، بينما تتلاشى الألقاب وتتغير المواقع وتذوب المصالح كما يذوب السراب.
ونحن حين نقول ذلك فإننا لا ننتقص من أحد ولا نصادر جهود أي مخلص ونؤمن بأن كل من خدم قضيته بإخلاص يستحق الاحترام والتقدير, ولكننا نرفض في الوقت ذاته تزييف الوعي أو قلب الحقائق أو صناعة بطولات وهمية على حساب أصحاب المواقف الحقيقية.
ويجب ان تقال الحقيقة كما هي بعيد عن النفاق السياسي والمحسوبية والعصبيات الجهوية والمناطقية لأن الشعوب الواعية لا تخدع بالشعارات وإنما تحكم على الرجال من خلال ثباتهم وصدقهم ووفائهم.
واليوم نقولها بكل وضوح وثقة أمام أبناء شعبنا الذين قدموا أغلى التضحيات وسالت دماء شهدائهم من أجل مستقبل آمن ومستقر : إن القضية لا يحميها أصحاب المصالح وإنما يحميها أصحاب المبادئ, والأوطان يبنيها الثابتون الذين يؤمنون بأن الكرامة أغلى من المناصب وأن الوفاء للتضحيات أعظم من كل المكاسب.
فليطمئن أصحاب المبادئ فإن التاريخ قد يتأخر في الإنصاف ولكنه لا يخطئ في الحكم ولا يساوي بين من ثبت على العهد، ومن غير موقفه عندما لاح له بريق المنصب أو المصلحة.
وختاماً.. الميدان ثم الميدان ثم الميدان وهو الفيصل بين الادعاءات والحقائق وبين من حمل القضية بإخلاص حتى النهاية ومن اتخذها وسيلة لتحقيق مصالحه الشخصية, وعندما يتحدث الميدان تصمت الشعارات وتسقط الأقنعة وتبقى الحقيقة وحدها هي التي يكتبها التاريخ.
الشيخ/ راجح باكريت
الاحد 26 يوليو 2026م