قراءة سياسية وورقة سياسات مستفادة من تجربة تطوير التعليم في السعودية
-المستشار عارف ناجي علي-
لم تعد قضية التعليم في العصر الحديث مجرد شأن خدمي يقتصر على بناء المدارس أو إعداد المناهج بل أصبحت قضية أمن قومي وبناء دولة فالدول التي نجحت في التحول والتنمية جعلت من التعليم مشروعاً استراتيجياً لصناعة الإنسان وتعزيز الاقتصاد وترسيخ الهوية الوطنية.
وفي هذا السياق يمثل إقرار المملكة العربية السعودية لنظام التعليم العام الجديد بعد ما يقارب ستة عقود من العمل بالسياسة العامة للتعليم الصادرة عام 1389هـ نموذجاً مهماً في إعادة بناء المنظومة التعليمية وفق متطلبات المستقبل من خلال الانتقال من الإدارة التقليدية إلى الحوكمة ومن التركيز على نقل المعرفة إلى بناء المهارات.
وفي المقابل يقف التعليم في اليمن أمام تحديات تاريخية فرضتها سنوات الصراع والانقسام وضعف مؤسسات الدولة الأمر الذي يجعل إصلاح التعليم مدخلاً أساسياً لأي مشروع وطني لاستعادة الدولة وتحقيق التنمية.
أولاً: التحول السعودي.. من التعليم التقليدي إلى تعليم المستقبل
جاء نظام التعليم العام الجديد في السعودية ليعكس تحولاً استراتيجياً في فلسفة التعليم ومن أبرز ملامحه:
إنشاء مجلس شؤون التعليم العام ليكون جهة لصناعة السياسات التعليمية ووضع الأطر التنظيمية.
تعزيز حق التعليم المجاني والإلزامي.
تطوير مسارات تعليمية متنوعة تشمل المسارات المهنية والتخصصية.
ربط التعليم باحتياجات سوق العمل وبرامج التنمية الوطنية.
تعزيز الاعتماد والجودة في المدارس الحكومية والخاصة.
الاهتمام بالموهوبين وذوي الإعاقة وصعوبات التعلم.
تنظيم التعليم الإلكتروني والتعليم المستمر.
رفع مستوى مشاركة القطاع الخاص مع ضمان الرقابة والجودة.
وهذه التحولات تؤكد أن التعليم لم يعد وظيفة وزارة فقط بل أصبح منظومة وطنية تشترك فيها الدولة والمجتمع والاقتصاد.
ثانياً: واقع التعليم في اليمن.. أزمة نظام أم أزمة دولة؟
عند مقارنة التجربة السعودية بالواقع اليمني نجد أن التحدي اليمني لا يكمن فقط في الحاجة إلى تعديل القوانين بل في ضرورة إعادة بناء المنظومة التعليمية نفسها فاليمن يمتلك تشريعات تعليمية لكن ضعف الاستقرار السياسي والمؤسسي أدى إلى:
تراجع جودة التعليم الحكومي.
ضعف تمويل القطاع التعليمي.
تدهور أوضاع المعلمين.
انتشار التسرب من التعليم.
توسع التعليم الخاص دون منظومة رقابة كافية.
ضعف العلاقة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل.
غياب استراتيجية وطنية مستقرة طويلة المدى.
إن إصلاح التعليم في اليمن لا يمكن أن يكون مشروعاً تابعاً للظروف السياسية بل يجب أن يكون مشروع دولة فوق الصراعات.
ثالثاً: الدروس المستفادة من التجربة السعودية لليمن
رغم اختلاف الظروف والإمكانات فإن هناك دروساً مهمة يمكن الاستفادة منها:
1- إنشاء مجلس وطني للتعليم
يحتاج اليمن إلى جهة وطنية عليا تضم خبراء تربويين وأكاديميين وممثلين عن المجتمع، تتولى رسم السياسات التعليمية بعيداً عن التغييرات السياسية.
2- الانتقال من إدارة التعليم إلى حوكمة التعليم
المشكلة ليست فقط في وجود الوزارة وإنما في ضرورة الفصل بين:
صناعة السياسة التعليمية.
التنفيذ.
التقويم والرقابة.
3- إعادة بناء مكانة المعلم
لا يمكن إصلاح التعليم دون إصلاح أوضاع المعلمين من خلال:
تحسين الأجور.
التدريب المستمر.
نظام مهني للترقي.
ربط الحقوق بالواجبات والكفاءة.
4- تحديث المناهج
ينبغي الانتقال من تعليم يعتمد على الحفظ والتلقين إلى تعليم يركز على:
التفكير النقدي.
البحث والابتكار.
المهارات الرقمية.
اللغات.
حل المشكلات.
5- تطوير التعليم الفني والمهني
يجب أن يصبح التعليم المهني خياراً استراتيجياً لتأهيل الشباب وربطهم باحتياجات الاقتصاد اليمني.
6- تنظيم التعليم الخاص
التعليم الخاص شريك وليس بديلاً عن الدولة ولذلك يحتاج إلى:
معايير اعتماد.
رقابة جودة.
تنظيم الرسوم.
حماية حقوق الطلاب.
رابعاً: رؤية مقترحة لإصلاح التعليم اليمني 2030
تقترح هذه الورقة بناء استراتيجية وطنية تقوم على المحاور التالية:
المحور الأول: الحوكمة والإدارة
إنشاء مجلس أعلى للتعليم.
تطوير نظام التخطيط والمتابعة.
بناء قاعدة بيانات وطنية للتعليم.
المحور الثاني: المعلم
برنامج وطني لتأهيل المعلمين.
تحسين الوضع الوظيفي والمعيشي.
اعتماد رخصة مزاولة مهنة التعليم.
المحور الثالث: المناهج والجودة
مراجعة شاملة للمناهج.
إنشاء هيئة مستقلة للاعتماد والجودة.
تطوير القياس والتقويم.
المحور الرابع: التعليم وسوق العمل
توسيع التعليم الفني.
إنشاء مسارات متخصصة.
تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص.
المحور الخامس: العدالة التعليمية
دعم المناطق الريفية.
دمج ذوي الإعاقة.
رعاية الموهوبين.
ان التعليم هو مشروع استعادة الدولة وإن الفرق بين الدول التي تتقدم والدول التي تتعثر ليس في امتلاكها الموارد فقط بل في قدرتها على بناء الإنسان وإدارة المعرفة.
ختاما لقد أدركت السعودية أن مستقبلها يبدأ من المدرسة ولذلك أعادت تصميم نظامها التعليمي بما يخدم رؤيتها التنموية.
أما اليمن فإن استعادة التعليم يجب أن تكون جزءاً من استعادة الدولة نفسها لأن الوطن الذي لا يبني عقول أبنائه سيبقى أسيراً للأزمات.
إن إصلاح التعليم ليس مطلباً قطاعياً لوزارة التربية والتعليم بل هو مشروع وطني لإنقاذ المستقبل وبناء يمن حديث قادر على النهوض.
المستشار عارف ناجي علي
مستشار وزارة التربية والتعليم