حين تُدار الوزارات بالكورجة

قبل ساعة


أحمد المريسي
بقلم: أحمد المريسي
ارشيف الكاتب

_احمد المريسي - كاتب سياسي وباحث في الشأن العام_


كفى عبثاً بمصير وطن، وكفى استهانة بهيبة الدولة ومؤسساتها. إن الوظيفة العامة عقد ومسؤولية وأمانة، وأصلها القانون وسببها الحاجة ومعيارها الكفاءة وغايتها المصلحة العامة، لا الولاء ولا المحسوبية ولا المزاج.


لكن ما نشهده اليوم يتجاوز الخطأ الإداري إلى ما يمس أسس الحكم الرشيد، حين تُصدر قرارات تعيين في وزارات سيادية وسياسية بمعزل عن معايير الكفاءة والاختصاص، وكأن الوزارة "كورجة" رزمة مناصب تُوزع بعيداً عن الضوابط، وكأن الحقيبة الوزارية تُمنح بمعايير لا علاقة لها بالاستحقاق.


إن تولي مسؤولية وزارة دون خبرة متخصصة في مجالها ليس قصوراً إدارياً فحسب، بل هو إهدار للمال العام، ومخالفة لروح الدستور ولمبادئ قانون السلطة التنفيذية وقانون الخدمة المدنية التي قررت أن الوظيفة العامة تكليف لا تشريف، وأن شغلها يقوم على الجدارة والاستحقاق. وهو كذلك مساس بالقرار الوطني وتسليم لمهام جسيمة إلى من لا يملك أدوات إدارتها، في وقت تكون فيه القرارات مصيرية وتمس أمن الناس ومعاشهم ومصلحة الوطن العليا.


أما النتيجة فهي ثلاثية الخطر: جهاز دولة يثقل بكاهل رواتب بلا إنتاج، وموازنة عامة تُستنزف بسياسات بلا رؤية، وثقة مجتمعية تتآكل حين يوقن المواطن أن المنصب لا يُنال بالعلم والخبرة بل بالقرب، ولا يُمنح بالكفاءة بل بالولاء.


وليعلم أصحاب القرار أن أي إجراء يُتخذ خارج إطار الحاجة والمعيار يتحمل تبعاته القانونية والتاريخية، وأن المسؤولية هنا فردية وجماعية وأمام الله وأمام الناس وأمام القانون. فالبناء على الباطل لا يستقيم، والسقف الذي يُرفع بغير أسس سيسقط على من أقامه.


إن المطلوب اليوم ليس وعوداً ولا تسويفاً، بل قراراً حاسماً: تجميد أي تعيينات استثنائية خارج خطة التوظيف، وربط شغل المناصب العليا والسيادية بمعايير الكفاءة والاختصاص والإعلان الشفاف، ومساءلة كل من تجاوز القانون أو أضر بمقدرات الدولة.


لسنا ضد التعيين، ولسنا ضد أحد. نحن مع دولة المؤسسات لا دولة المزاج، ومع دولة الكفاءات لا دولة الرزم. فبالاختصاص تُدار الوزارات، وبالكفاءة تنهض الدول، وبالعدل تُحفظ السيادة، وباحترام القانون تُصان هيبة الوطن.